خاص إيكو وطن: حين تصبح السكك الحديدية مشروع دولة لا مجرد مشروع نقل
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : د. نهى الغصيني
May 16 26|16:51PM :نشر بتاريخ
كتبت العميدة السابقة لكلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية البروفسورة نهى الغصيني في إيكو وطن:
يُعدّ السؤال الذي طرحه الاستاذ محسن السقال في مقاله المنشور في إيكو وطن مؤخراً حول القطار اللبناني سؤالاً مشروعاً ووجيهاً: هل ستخرج هذه الخطوة من دائرة الوعود إلى سكة التنفيذ؟ غير أن ثمة سؤالاً موازياً لا يقل أهمية، بل يسبقه في المنطق: هل تعرف الدولة اللبنانية أصلاً ماذا يريد اللبنانيون ويحتاجونه من القطار؟
المشكلة أعمق من غياب الإرادة أو شحّ التمويل: إنها في الهوّة بين وثائق الدولة واحتياجات مواطنيها — بين خرائط التخطيط وخرائط المعاناة اليومية.
رسامني يفتح الباب... فمن يدخل معه؟
ما أقدم عليه معالي وزير الأشغال العامة والنقل المهندس فايز رسامني بإطلاق مناقصة تحديث دراسات خط السكك الحديدية من طرابلس نحو الحدود السورية الشمالية لا يُقرأ صحيحاً إذا اختُزل بكونه مبادرة فنية أو ردة فعل على ضغوط شعبية. يخطو الوزير بجرأة مدروسة في ملف محفوف بمقبرة المبادرات الفاشلة، مدركاً أن الثمن الأكبر لن يكون مالياً بل سياسياً.
فالجرأة هنا ليست في الإعلان — كل وزير يُعلن — بل في اختيار نقطة انطلاق استراتيجية بامتياز: طرابلس، المدينة التي تعاني من فقدان التنمية عقوداً طويلة رغم امتلاكها كل الميزات التفاضلية لإنعاشها، والشمال الذي يبقى في الهامش الاقتصادي والإنمائي يئن من الفقر والعوز والهجرة. ما يعني أن الوزير رسامني لا يختار قطار النقل فحسب، بل يختار ضمنياً قطار الإنماء المتوازن، والعدالة المكانية، وإعادة رسم خريطة لبنان الاقتصادية.
لبنان لا يحتمل رفاهية الانتظار: إما أن يبني شبكاته ويعيد توزيع فرصه على مناطقه، وإما أن يستمر في نزيف هجرة أبنائه نحو بيروت أو نحو المهجر. فالسكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي في جوهرها مشروع لإعادة وصل الوطن بنفسه وتخفيف الاختلال التنموي المزمن بين المركز والأطراف.
والإنماء المتوازن لا يتحقق بالشعارات، بل عبر شبكات بنى تحتية تسمح للناس والبضائع والخدمات بالتحرك بكلفة أقل وفعالية أكبر. ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في عكار أو البقاع أو الجنوب أو الشوف، إذا بقي الوصول إلى فرص العمل والتعليم والخدمات مرهونًا برحلات يومية مرهقة ومكلفة على طرقات مكتظة ومتهالكة تملؤها جحافل السيارات الخاصة كما الشاحنات الكبرى التي تنقل أوزاناً ترفع من رداءة الشبكة وتزيدها هلاكاً.
من هنا، يصبح النقل المشترك ونقل البضائع جزءًا أساسياُ من أي رؤية وطنية لإعادة ترتيب الأراضي اللبنانية. المطلوب ليس مجرد خط حديدي معزول، بل شبكة متكاملة تُربط بخطة شاملة للتنمية والترتيب الترابي، تعيد التوازن بين بيروت والمدن المتوسطة، وتخلق ممرات اقتصادية جديدة تربط الشمال بالجنوب والبقاع بالساحل.
الخطة الشاملة لترتيب الاراضي اللبنانية: الخريطة المهملة في أدراج المسؤولين
يتساءل كثيرون عن كيفية كسر هذه الحلقة التي تهدر المال والجهد والوقت لجميع اللبنانيين، في حين أن الرؤية موجودة فعلاً، مكتوبة ومؤطرة ومدروسة: إنها الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية (SDATL) الصادرة بمرسوم رقم 2009/2366، وهي وثيقة لا تكاد تُذكر في النقاشات العامة، على الرغم من أنها تمثّل أعمق محاولة لبنانية حديثة لتنظيم المجال الوطني بوصفه كلاً واحداً لا فسيفساء مناطق متقطعة.
لم تكتفِ هذه الخطة بتشخيص التشوهات التنموية وطرح كيفية معالجتها، بل اقترحت بنية نقل وطنية متكاملة: إحياء الخط الساحلي بين بيروت وطرابلس وصولاً إلى الحدود السورية، وإعادة تشغيل خط بيروت–البقاع عبر رياق لربط العاصمة بالمناطق الزراعية والصناعية، وربط المرافئ والمطارات بالشبكة الحديدية، فضلاً عن امتداد جنوبي مقترح يصل صيدا بالنبطية ضمن رؤية أشمل لشبكة وطنية تُجسّد التوازن الانمائي ما بين المناطق.
المفارقة أن هذه الخطة أُقرّت قانونياً ثم دُفنت إدارياً. لم تتحول إلى سياسة دولة، ولم تُربط بالموازنات العامة ولا بالمبادرات الاستثمارية. وأصبحت بالتالي وثيقة تُستحضر في الندوات ولا يُعمل بها في الوزارات والبلديات.
السكك الحديدية: مشروع إعادة تنظيم المجال اللبناني وإعادة إنتاج الدولة
ثمة زاوية نادراً ما تُطرح في النقاش العام: القطار في لبنان ليس مشروع نقل يلبّي حاجة موجودة وملحة، بل هو في جوهره أداة لإعادة إنتاج الدولة نفسها. وهذا يقلب المنطق التقليدي رأساً على عقب.
في عالم تتجه فيه الدول إلى تعزيز النقل الجماعي المستدام لتخفيف كلفة الطاقة والانبعاثات والازدحام، يبدو استمرار لبنان في الاعتماد شبه الكامل على السيارات والشاحنات نموذجًا مكلفًا وغير مستدام.
فبيروت اليوم تختنق ليس لأن شبكة الطرق أصبحت ضيقة فحسب، بل لأن نموذج التركز المكاني جعلها مستودع الوظائف والخدمات والفرص للبلد بأسره. وما دامت هذه المركزية قائمة، فإن أي بنية تحتية — حتى الحديدية — ستنتهي بتعميق التركز لا بتخفيفه. لهذا السبب لا يمكن الفصل بين مشروع القطار ومشروع اللامركزية المرتكز على مبدأ الانماء المتوازن.
حين يربط القطار طرابلس بالحدود الشمالية، فإنه لا ينقل الركاب فحسب، بل يُعيد تعريف طرابلس بوصفها بوابة لوجستية لا مدينة طرفية. وحين يمتد المسار مستقبلاً ليشمل زحلة والبقاع والجنوب، فإنه يُنشئ ممرات تنموية حقيقية، أي ما تسميه أدبيات التخطيط الإقليمي "corridors de développement"، وهي ليست خطوط نقل، بل بنية لإعادة توزيع الاقتصاد والنمو.
أبعد من ذلك، إذا أدرج القطار ضمن رؤية إقليمية شاملة تضم المدن المتوسطة - بعلبك وزحلة وصيدا وصور والنبطية وجونية وجبيل - يُصبح الرافعة التي تنتزع هذه المدن من خانة "الضواحي البعيدة" إلى خانة "القطب الاقتصادي القائم بذاته". وهذا بالضبط ما تنادي به الخطة الشاملة لترتيب الاراضي اللبنانية، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
البعد الإقليمي: لبنان بوابةً ذات ميزات تفاضلية شاملة
تستوقفني في مبادرة الوزير رسامني نقطة ذكية قد تمر دون تأمل كافٍ: الخط يمتد نحو الحدود السورية الشمالية. وهذا الخيار ليس تفصيلاً جغرافياً ، بل خيار استراتيجي يوحي بأن الوزير يقرأ المرحلة المقبلة ببعد نظر ورؤية واعدة للمستقبل.
فلبنان بحكم موقعه الجغرافي — مرافئه، وربطه البحري بأوروبا، وعمقه البري نحو سوريا والعراق والخليج — يمتلك إمكانية أن يكون مفترق طرق لوجستياً لا بديلاً عنه في المنطقة. وهذا الدور لن يُستعاد بالخطابات، بل بالبنية التحتية. القطار الممتد إلى الحدود هو القطار الذي يُعيد وصل مرفأ طرابلس بالسوق السورية والعراقية في مرحلة إعادة الإعمار الإقليمي المرتقبة.
هنا تتقاطع رؤية الخطة الشاملة لترتيب الأراضي مع السياسة الاقتصادية الخارجية: لبنان لا ينتظر أن يُعاد بناؤه من الخارج، بل يمكنه أن يجعل نفسه ضرورياً لإعادة بناء محيطه. وهذا الانتقال من الانكفاء إلى الانخراط لا يحتاج إلى نصوص سياسية، بل إلى سكك حديدية وموانئ فاعلة.
شرط النجاح: ربط النقل بترتيب الأراضي مؤسسياً
لكن ما الذي يجعل هذه المبادرة مختلفة عن سابقاتها؟ السؤال مشروع، والجواب يكمن في شرط واحد: أن تُعامَل شبكة السكك الحديدية كجزء من منظومة ترتيب الأراضي، وليس كمشروع قطاعي قد يكتب له النجاح أم لا.
ونجاح هذا المشروع يبقى مشروطًا بتجاوز العقلية التقليدية التي تعاملت مع البنى التحتية كمشاريع ظرفية أو سياسية، لا كرؤية وطنية طويلة الأمد. فالسكك الحديدية تحتاج إلى دولة تخطط، وإلى إدارة قادرة على التنفيذ، وإلى ربط واضح بين النقل والتنمية والبيئة والاقتصاد.
كما تحتاج إلى مقاربة لامركزية أكثر توازنًا، تسمح للمناطق بالمشاركة في رسم سياسات النقل والتنمية، بدل إبقاء كل القرارات محصورة في المركز. فالنقل ليس مجرد مسألة تقنية، بل جزء من العدالة المكانية والاجتماعية، ومن حق المواطنين في الوصول المتكافئ إلى الفرص والخدمات.
يعني ذلك عملياً: أن تُربط الدراسة الجديدة بمراجعة فعلية للخطة الشاملة لترتيب الأراضي وتحديثها، وأن يُنشأ تنسيق مؤسسي بين وزارة الأشغال العامة ووزارات الاقتصاد والبيئة والزراعة والصناعة والشؤون الاجتماعية وهيئات التخطيط الإقليمي، وأن يُفتح الباب أمام "سلطات نقل إقليمية" أو هيئات موازية على مستوى المحافظات، توجّه خيارات النقل انطلاقاً من الحاجات التنموية لكل منطقة، لإشراك كافة المناطق اللبنانية والحد من مركزية القرار في بيروت التي أنتجت مركزية وبطأً في عملية التنمية.
هذه المقاربة اللامركزية لا تعني التخلي عن التخطيط الوطني، بل إغناءه بطبقة إقليمية تجعله قابلاً للتطبيق وحساساً للتنوع الجغرافي والاقتصادي اللبناني.
سؤال يجمعنا: أيّ لبنان يُريده الوزير رسامني؟
ختاماً، ثمة فرق كبير بين وزير يُطلق مناقصة ووزير يُطلق رؤية. ما يُميّز الوزير رسامني أنه يفعل الاثنتين معاً، وإن بهدوء لافت – بعيداً عن ثقافة الضجيج السياسي السائدة - وهذا النوع من الهدوء العامل يحتاج إلى من يُجلّيه للرأي العام:
مناقصة طرابلس ليست مشروع إعادة تشغيل قطار. إنها في قراءة متأنية: رهان على أن لبنان قادر على التخطيط والتنفيذ معاً، لا على الوعد وحده. هي اختيار للإنماء المتوازن القائم على تفعيل مزايا المناطق، هي انتصار للدولة المخططة على الدولة المرتجلة، وهي انفتاح استراتيجي على المحيط الإقليمي عبر بنية تحتية أكثر من ضرورية، لا عبر بيانات سياسية فارغة.
وإذا تحلّت المؤسسات المعنية بالمسؤولية ذاتها، وإذا أُدرجت هذه الخطوة ضمن إحياء فعلي للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية (التي تم إقرارها بعد 66 سنة من الاستقلال)، فربما نكون أمام لحظة نادرة في التاريخ اللبناني: لحظة تتقاطع فيها إرادة الوزير مع وثيقة الدولة مع حاجة الشعب.
القطار اللبناني لن يتأخر إذا كانت الدولة تعرف إلى أين تريده أن يصل.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا