البناء: هدوء ترامب أمام عاصفة العسكر… ورضائي يرث لاريجاني وهرمز يرفع البرميل

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Aug 10 26|06:46AM :نشر بتاريخ

 دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرحلة التهدئة في مقاربة الحرب مع إيران، فقال إنّه يتعامل معها بهدوء، متوقعاً الوصول إلى نهاية قريبة. لكن هذا الهدوء لا يبدو ناتجاً من الاطمئنان إلى تحقيق أهداف الحرب، بقدر ما يأتي أمام عاصفة داخل القيادة العسكرية الأميركية، كشفت أن القوة الجوية أنجزت أقصى ما تستطيع إنجازه، من دون أن تنجح في إخضاع إيران أو فتح مضيق هرمز أو انتزاع اتفاق بشروط واشنطن.

جاءت العاصفة من بوابة الذخائر، بعدما أمهل نائب وزير الدفاع ستيف فاينبرغ شركات السلاح واحداً وعشرين يوماً لتقديم خطط طارئة لتسريع الإنتاج، مؤكداً أن دورات التصنيع التي تحتاج إلى سنوات لم تعد مقبولة. وتحدثت التقارير عن استهلاك معظم صواريخ «أتاكمز» و«برسم»، ونحو نصف مخزون «توماهوك»، بالتوازي مع انخفاض خطير في مخزون صواريخ «ثاد» و«باتريوت». وتحولت الأزمة من مشكلة صناعية إلى قيد استراتيجي يهدد قدرة الولايات المتحدة على حماية قواعدها وحلفائها أو خوض مواجهة أخرى. وتقول القيادة العسكرية بلسان رئيس الأركان للجيوش الأميركية إن الطيران يستطيع تدمير مزيد من الأهداف، لكنه لا يستطيع فرض الاستسلام أو جمع المواد النووية أو فتح المضيق، وإن الانتقال إلى مرحلة جديدة يحتاج إلى حرب برية لا تريدها المؤسسة العسكرية ولا يتحملها ترامب. ولذلك يبدو الهدوء الرئاسي غطاءً سياسياً للبحث عن مخرج، لا إعلاناً عن انتصار.

في المقابل، أعادت إيران ترتيب مركز قرارها بتعيين محسن رضائي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد فيه. ولم يأتِ رضائي خلفاً إدارياً لمحمد باقر ذو القدر، بل وريثاً للدور الذي كان يؤديه علي لاريجاني قبل اغتياله، مع فارق أن الوارث الجديد قائد سابق للحرس الثوري وصاحب خبرة في إدارة حرب السنوات الثماني. وبين هدوء ترامب وصعود رضائي، أعلن عباس عراقجي أن الاتفاق الإيراني – العُماني حول تنظيم المسارات البحرية بلغ مراحله النهائية، لكنه أكد أن ذلك لا يعني فتح هرمز؛ لأن الفتح ينتظر تنفيذ واشنطن التزاماتها ووقف الحصار والتهديدات. وفهم السوق الرسالة، فعاد برميل برنت إلى الارتفاع نحو 83.55 دولاراً، بعدما اكتشف أن الاتفاق الملاحي ليس بديلاً من الاتفاق السياسي مع أميركا.

بالتوازي، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي يرأسها جدعون ساعر، خريطة إحصائية ظهر فيها الجزء المحتل من جنوب لبنان مقتطعاً من الخريطة اللبنانية ومدمجاً بالمساحة الإسرائيلية. وتزداد خطورة الخريطة لأنها تأتي في قلب مسار التفاوض الجاري مع السلطة، وبعد توقيع اتفاق يفترض أنه تتويج لمسار الدبلوماسية لاستعادة السيادة اللبنانية كما تقول السلطة، وبعد اعتماد مفردة «إعادة الانتشار» بدلاً من الانسحاب. تقدم الخريطة تفسيراً بصرياً لمشروع المنطقة الأمنية؛ فالأرض المحتلة لا تظهر أرضاً لبنانية تخضع لاحتلال مؤقت، بل مساحة يجري دمجها تدريجياً بـ»إسرائيل».

ندد «حزب الله» بالخريطة، معتبراً أنها تؤكد الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان. لكن السؤال الأهم يتعلق بموقف السلطة التي دخلت التفاوض تحت عنوان استعادة الأرض؛ فهل تطلب سحب الخريطة واعتذاراً إسرائيلياً مكتوباً يعترف بلبنانية كامل الأراضي الواقعة شمال الحدود الدولية، أم تواصل التفاوض كأن شيئاً لم يحدث؟

وهنا لا يكفي بيان استنكار تقليدي؛ لأن الخريطة تمس أساس التفاوض نفسه. والموقف الطبيعي هو التهديد بتعليق الجولة المقبلة، لا إنهاء المسار، حتى تسحب «إسرائيل» الخريطة ويؤكد الوسيط الأميركي أن مرجعية المفاوضات هي الحدود الدولية. أما الصمت فيعني أن السلطة تقبل التفاوض على ترتيبات أمنية فوق أرض بدأت «إسرائيل» تمحو لبنانيتها.

في التطورات الإقليمية، أعلن بنيامين نتنياهو رفض خطة ترامب ذات النقاط الخمس عشرة لغزة، متمسكاً بنزع سلاح حماس كاملاً قبل أي انسحاب إسرائيلي، بينما تقوم الخطة الأميركية على انسحاب تدريجي متزامن مع ترتيبات السلاح ونقله إلى عهدة فلسطينية. ويؤكد الرفض أن نتنياهو يخضع الاتفاق لحسابات انتخابات تشرين الأول، ويرفض منح ترامب إنجازاً لا يستطيع تسويقه لجمهور اليمين.

وبالتوازي، عاد نتنياهو إلى تهديد إيران، متجاهلاً أن أزمة الصواريخ الاعتراضية الأميركية – الإسرائيلية تجعل أي حرب جديدة مختلفة. تستطيع «إسرائيل» بدء الحرب، لكن إيران تستطيع إدارة كثافة الرد ومدته وجغرافيته، وتحديد ما إذا كانت المواجهة ستبقى ثنائية أم تمتد إلى القواعد الأميركية ودول الخليج.

أما اليمن، فتجاهل الإعلان عن الحلف السعودي – التركي – الباكستاني، وواصل عملياته؛ حيث أعلنت حركة «أنصار الله» استهداف مصفاة أرامكو في جازان، فيما أقرت السعودية باندلاع حريق وإخماده، واستُهدف ميناء المخا بالصواريخ والمسيّرات. ولم يصدر رد عمليّ عن تركيا أو باكستان، فوجد الحلف الثلاثي نفسه أمام اختباره الأول بعد يومين من ولادته. والرسالة اليمنية واضحة: تجاهل ما يجري في ساحة التحالفات وحصر الاهتمام بالميدان، ومن يريد وقف العمليات عليه معالجة أسبابها برفع الحصار عن اليمن، لا إضافة توقيعين إلى ورقة الردع السعودية.

في وقت تتكثف فيه الضغوط الأميركية لإنهاء الجبهات المفتوحة في المنطقة، وتقترب المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية من ملفات أكثر حساسية، تتقدّم مسألة الحدود إلى الواجهة مجدداً، ليس فقط بفعل ما يجري ميدانياً في الجنوب، بل أيضاً عبر خرائط وتصريحات قد تترك تداعيات سياسية تتجاوز لحظة صدورها. وفي هذا السياق، أفادت القناة 13 العبرية بأن قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» طلب من «إسرائيل» الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان، فيما نقلت عن ضابط إسرائيلي رفيع أن الرسالة الأميركية الموجّهة إلى الجيش الإسرائيلي تقوم على ضرورة المضي قدماً نحو إنهاء الجبهات المفتوحة في إيران وغزة ولبنان.

وعلى هذا الخط، لم تكن الخريطة التي ظهرت في منشور لوزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» تفصيلاً عابراً بالنسبة إلى بيروت. فالمحتوى الذي تناول أوضاع الأطفال الغذائية في الشرق الأوسط تضمّن رسماً جغرافياً بدا فيه لبنان منقوصاً من أجزاء من جنوبه، بعدما أُدرجت تلك المناطق ضمن الحدود المرسومة لـ»إسرائيل». وبينما أُزيل المنشور لاحقاً، كانت دلالته السياسية قد سبقت حذفه، ودَفعت بيروت إلى التعامل معه كمسألة تتصل مباشرة بصورة لبنان وحدوده.

وعليه، وجّه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى متابعة القضية مع الجهات الدولية والأميركية، فيما دخلت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة على خط الاتصالات مع وزارة الخارجية الأميركية، طالبةً معالجة الأمر مع الجانب الإسرائيلي. ووفق معطيات لبنانية، أسفرت هذه الاتصالات عن تدخل أميركي لدى «إسرائيل» انتهى بإزالة الخريطة.

لكن ما انتهى على الشاشة لم ينتهِ سياسياً. فلبنان، بحسب مصادر سياسية، لا يريد أن تتحول عملية الحذف إلى خاتمة للموضوع، بل يتعامل مع ما حصل باعتباره واقعة تستحق التوقف عندها في المرحلة المقبلة، ولا سيما أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تقترب من ملفات أكثر ارتباطاً بالحدود ومستقبل الوضع في الجنوب.

وتشير المصادر إلى أن المسألة الأساسية ليست معرفة ما إذا كانت الخريطة قد نُشرت عن قصد أم نتيجة خطأ، وإنما منع تكريس أي تصور جغرافي ينتقص من الأراضي اللبنانية، أياً كان مصدره أو شكله. فالخرائط، في الملفات الحدودية، ليست مجرد رسوم توضيحية، وقد تكتسب مع الوقت قيمة سياسية إذا اقترنت بوقائع ميدانية أو بقيت من دون اعتراض واضح.

ولهذا السبب، ترغب بيروت في أن يكون موضوع الحدود أكثر حضوراً في الجولة المقبلة من مفاوضات روما، وأن تحصل على إجابة إسرائيلية واضحة لا تحتمل التأويل بشأن حدود لبنان. فالموقف اللبنانيّ يقوم على قاعدة أن الحدود ليست مادة قابلة لإعادة النظر تحت ضغط التطوّرات العسكرية، وأن أي تفاهم مستقبلي يجب أن ينطلق من الحدود المعترف بها، لا من المناطق التي تغيّرت فيها موازين السيطرة خلال الحرب.

ويأتي ذلك بالتزامن مع التحضيرات اللبنانيّة للجولة المقبلة، والتي لا تزال محكومة بالملفات الثلاثة التي تعتبرها بيروت مدخلاً لأي تقدّم: تثبيت وقف إطلاق النار، وتوسيع نطاق المناطق التجريبية، ووضع حد لعمليات هدم المنازل وتجريف الأراضي في الجنوب.

وتقول المصادر إن إضافة ملف الحدود إلى هذه العناوين تعني أن المفاوضات قد تدخل مرحلة أكثر تعقيداً. فلبنان لا يناقش فقط آليّة الانسحاب الإسرائيلي أو الترتيبات الأمنية في الجنوب، بل يريد أيضاً ضمان ألا تترك المرحلة الانتقاليّة وراءها وقائع يمكن استخدامها لاحقاً في النقاش الحدودي.

وهنا تبرز أهمية ما يجري على الأرض، فكلما طال بقاء القوات الإسرائيلية أو توسّعت البنية العسكرية التي تقيمها داخل المناطق الجنوبية، ازدادت المخاوف اللبنانية من أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة. وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «هآرتس»، استناداً إلى صور أقمار اصطناعية وجولات ميدانية، إلى إنشاء الجيش الإسرائيلي مواقع وطرقاً عسكرية في مناطق داخل جنوب لبنان.

وفي موازاة ذلك، شنّ «حزب الله» هجوماً حاداً على السلطات اللبنانية، على خلفية نشر وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة أظهرت أجزاءً من جنوب لبنان ضمن المساحة المرسومة لـ»إسرائيل»، معتبراً أن الخطوة تعكس استمرار الأطماع الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية.

وقال الحزب، في بيان صادر عن دائرة العلاقات الإعلامية، إن الخريطة تؤكد، بحسب تعبيره، تمسّك «إسرائيل» بمحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، معتبراً أن المفاوضات المباشرة الجارية ليست سوى وسيلة لكسب الوقت وتثبيت معادلات جديدة.

وحمّل الحزب السلطة اللبنانية مسؤولية ما وصفه بـ«مسار التنازلات»، داعياً إلى مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة، ووقف المفاوضات المباشرة، والتحرك سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، بما في ذلك التوجه إلى مجلس الأمن وتقديم شكوى رسمية بشأن ما اعتبره انتهاكاً جديداً للسيادة اللبنانية.

البرلمان أمام اختبار التوافق

في الداخل، وعلى وقع اتصالات نيابية وسياسية مكثفة، يدخل مجلس النواب غداً وبعد غد اختباراً تشريعياً لا يقتصر على إقرار مجموعة من القوانين، بل يعكس طبيعة التوازنات داخل المجلس وقدرة الكتل النيابية على إنتاج تفاهمات في الملفات الحساسة.

فالجلسة التي دعا إليها رئيس المجلس نبيه بري، وعلى جدول أعمالها 14 مشروعاً واقتراح قانون، تحمل في طياتها أكثر من ملف قابل للنقاش، إلا أن قانون العفو يبقى العنوان الأكثر إثارة للانتباه، بعدما تعثر في الجلسة السابقة نتيجة فقدان النصاب.

ويبدو القانون اليوم أمام فرصة جدية للعبور، بعدما تبدّلت مواقف عدد من القوى السياسية، واتسعت دائرة التأييد للصيغة التي جرى بحثها بين بري والنواب السنة. وإذا بقيت التفاهمات على حالها، فإن المشهد النيابي قد يشهد تقاطعاً واسعاً حول قانون لطالما كان محاطاً بالحسابات السياسية والطائفية والقانونية.

لكن المعادلة الجديدة لا تعني أن الطريق أصبح خالياً من العقبات. فـ«القوات اللبنانية» و«الكتائب» لا تبدوان في موقع المواجهة مع الصيغة المطروحة، فيما يتجه «التيار الوطني الحر» إلى تسجيل ملاحظاته، ولا سيما في ما يتعلق بحفظ الحق الشخصي. وفي المقابل، تبدو قوى أساسية، بينها الثنائي الشيعي والنواب السنة و«اللقاء الديموقراطي» و«التغييريون»، أقرب إلى تأمين الغالبية اللازمة لإقرار القانون.

أما بقية جدول الأعمال، فتضع المجلس أمام ملفات لا تقل أهمية، من إلغاء عقوبة الإعدام إلى إعادة تنظيم القطاع المصرفي وقانون الإعلام، ما يجعل الجلسة اختباراً أوسع لمدى قدرة السلطة التشريعية على إنتاج قوانين طال انتظارها، بعيداً من التعطيل والمناكفات.
 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : البناء