العربي الجديد: إقرار العفو العام في لبنان: أبرز المستفيدين والمستثنين منه
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Aug 13 26|06:54AM :نشر بتاريخ
أقرّ المجلس النيابي اللبناني قانون العفو العام اليوم الأربعاء مع تخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي معدلاً، وذلك خلال جلسة عامة عقدها، وشهدت توتراً كبيراً بين رئيس الوزراء نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، على خلفية منع الأخير من إلقاء كلمة تفنّد رأي الجيش اللبناني، ما أدى إلى انسحاب نواب كتلتي حزب الله والتيار الوطني الحر (يرأسها النائب جبران باسيل). وأقرّ قانون العفو العام، وهو الأول من نوعه منذ عام 1991، حين أُقرّ قانون مماثل عفا عن أمراء الحرب اللبنانية ومجرميها (1975 ـ 1990)، على أن يستفيد منه آلاف المحكومين والموقوفين، وذلك بعد سنواتٍ طويلة من الجدل والانقسامات السياسية والطائفية في البلاد. وتزامن القانون اليوم مع إلغاء المجلس النيابي أمس الثلاثاء عقوبة الإعدام، بما يجعل من لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تلغي هذه العقوبة.
قانون العفو العام واعتبارات سياسية
ويعد قانون العفو العام في لبنان من القوانين التي دخلت بازارات سياسية انتخابية على مرّ السنين، وحرصت كل طائفة على التمسّك بمطالب محددة، منها على سبيل المثال حمل بعض القوى المسيحية ملف المبعدين إلى إسرائيل، بينما رفع نواب سنّة قضية الموقوفين الإسلاميين، وقسم كبير منهم موقوف على خلفية الثورة السورية، ومعارضته نظام بشار الأسد، فيما حمل نواب الطائفة الشيعية ملف الموقوفين بجرائم مخدرات.
وفي وقتٍ لم يصدر النص الرسمي لقانون العفو العام المعدّل، فإن العفو سيُمنَح عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ الأول من مارس/آذار 2026، ويستفيد منه جميع من ساهموا في ارتكابها، سواء بصفتهم فاعلين أو شركاء أو متدخلين أو محرّضين أو مخبّئين، ويؤدي ذلك إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، كما تسقط جميع الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهية أم غيابية أم بمثابة الوجاهية. ومن أبرز المشمولين بالعفو العام بعض الموقوفين الإسلاميين، ولبنانيين لجؤوا إلى إسرائيل بعد عام 2000، وذلك ربطاً بالقانون رقم 194 الصادر عام 2011، مع استثناء المرتبطين بجرائم متعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو، وهما ملفان كانا من أكثر الملفات المختلف عليها لبنانياً طائفياً وسياسياً وحزبياً. ويُستثنى من العفو العام الجرائم التي أحيلت على المجلس العدلي، القتل عمداً أو قصداً والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الصادر في تاريخ 11 يناير/كانون الثاني 1958، بحق المدنيين أو العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية، الجرائم العسكرية، جرائم الخيانة والتجسس.
ومن الاستثناءات أيضاً، جنايات التكرار بالمخدرات، وجميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية، والجرائم المتعلقة بجميع أنواع التعدي الخاضعة للملاحقة، والتي لا تزال مستمرة حتى صدور هذا القانون، والواقعة مثلاً على الأملاك العامة للبلديات، الأملاك العامة للدولة على أنواعها، الأملاك العامة التابعة للمؤسسات العامة وغيرها، والجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف. وخلافاً لأي نص آخر، وفي الجرائم التي صدرت أو لم يصدر فيها أحكام التي حصلت قبل تاريخ نفاذ هذا القانون، ولم يشملها العفو، تُستبدل مدة العقوبات على الشكل التالي، بحيث تصبح عقوبة الإعدام 28 سنة سجنية (قبل إلغائها)، والأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة سجنية (مدة السنة السجنية في لبنان تسعة أشهر)، وسائر العقوبات المتبقية يخفَّض ثلثها.
وفي الجرائم التي يكون فيها المتضرر اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1 مارس 2026، لا يسري هذا التخفيض إلا بعد الاستحصال على إسقاط الحق الشخصي، وهذه النقطة تحديداً ارتبطت بملف شهداء الجيش اللبناني وأحداث معركة عبرا في صيدا جنوبي لبنان عام 2013، الأمر الذي يترك تساؤلات حول ما إذا كان هذا الاستحصال سيحول دون استفادة موقوفي عبرا من القانون، ضمنهم الشيخ أحمد الأسير. كذلك، خُفض شرط إخلاء السبيل من 14 إلى 12 سنة سجنية، فيما أدخلت تعديلات تتعلق بالحق الخاص والمحاكمة خارج السجن. وجاء إقرار القانون، بعنوان عريض لحلّ أزمة اكتظاظ السجون بالدرجة الأولى، والتي تزيد عن 300% بحسب إحصاءات قامت بها هيئات حقوقية إنسانية.
في السياق، قال النائب عن الجماعة الإسلامية عماد الحوت، اليوم الأربعاء، إن إقرار قانون العفو العام إنجاز وطني وإنساني طال انتظاره، يطوي صفحة أثقلت كاهل كثير من العائلات، ويعالج مظالم والتباسات تراكمت على مدى سنوات. ولفت إلى أن 79 موقوفاً إسلامياً من أصل 146 سيخرج من السجون، ولن نقبل بعد اليوم اعتقال أي أحد أكثر من المدة القانونية للتوقيف الاحتياطي. وقال الحوت حقيقة النتائج على ملف "الموقوفين الإسلاميين" بالأرقام، وفق ما نشر عبر منصة إكس، المحكومين بالإعدام أصبحت العقوبة 17 سنة سجنية أي 12 سنة و9 أشهر فعلية. وأضاف أن 79 معتقلاً سيُفرج عنهم فوراً، و16 آخرين في أقل من عام، و11 آخرين يستمرون في السجن أكثر من سنة، وتباعاً سيُفرج عن 32 موقوفاً.
من جهته، اعتبر المدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية"، نزار صاغية في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "الملاحظة الكبرى لدينا على القانون هو شمولية العفو، بحيث إن المحاسبة يجب أن تبقى هي المبدأ، أما العفو فاستثناء، بينما ما حصل هو العكس، فانتهينا إلى قانون يخدم مصالح القوى السياسية، كل ضمن جماعته، ما يجعلهم بشكل مستغرب يفاخرون بما حصل، ويعنونونه بتحقق العدالة، وذلك على حساب العدالة الفعلية وقيم المجتمع"، متوقفاً عند غموض يلف بعض الاستثناءات بما من شأنه أن يؤدي إلى نزاعات قضائية في فترة لاحقة.
وأشار صاغية إلى أن الفئة التي دائماً ما وُضِعت بواجهة الملف هي الموقوفين الإسلاميين، علماً أنّ العدد لا يتخطى الـ160 منهم، وهؤلاء سيستفيدون من العفو المخفف وليس التام، أي من تخفيض العقوبة، والذين سيستفيدون أيضاً من التخفيض مرتين ربطاً بإلغاء عقوبة الإعدام. ولفت إلى أن هذه أكبر مشاكل القانون بأنها تصوّر للرأي العام وكأن الأسير وبعض الإسلاميين هم الأبرز، علماً أنهم الأقل استفادة من حيث العدد، بينما المرتبطون بملفات مخدرات هم بعشرات الآلاف، وأكثريتهم مطلوبون. وأشار إلى أن كل الإعفاءات تشمل جرائم المخدرات إلا بحالات التكرار، علماً أن شروط التكرار صعب جداً توفّرها، ولا تتوفر تقريباً إلا بصغار التجار، بمعنى أن كبار التجار سيكونون مشمولين بالعفو، وهو ما عمل لأجله حزب الله وحركة أمل لسنوات، بوعودهم أيضاً للعشائر، وكان من أبرز نقاط الانقسام الداخلي على صعيد القانون، وحصل الثنائي على ما يريده.
محاصصة
وقال المدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية" إن التعاطي مع الملف "كان في إطار البازار السياسي والطائفي، ما يدلّ على كأنه قالب حلوة، كل فريق سياسي يريد قطعة منه، وهو ما يعكس آلية المحاصصة المتبعة بالموضوع". وأشار إلى أن "القانون أقرّ من دون أي خطوات أو ورشة إصلاحية متكاملة"، متسائلا: "أين استقلالية القضاء؟ وحقوق الضحايا؟ ومثلاً يحكى عن مظلومية الإسلاميين بالمحكمة العسكرية وبأن لا محاكمة عادلة فيها، فماذا تغيّر؟. حُكي عن اللجوء إلى تجارة المخدرات مثلاً بالبقاع في ظلّ غياب التنمية، فماذا تغيّر كذلك؟ هل أصبح هناك تنمية؟ لا، وهذا يؤدي إلى تكرار الجرائم، وهذه أمثلة من مئات". وخلص المتحدث ذاته: "من هنا نجد أن هناك انعكاسات خطيرة ستكون للقانون، عدا عن تكريسه كمبدأ بينما أصبحت المحاسبة استثناء، والاستثناءات بدورها مبهمة".
حصص من الكعكة
وفي قضية معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجؤوا إلى إسرائيل (الذين فروا بالآلاف إلى إسرائيل، بعد انسحاب الاحتلال من الجنوب عام 2000، بما في ذلك عناصر من جيش لحد، لبنان الجنوبي)، قال صاغية إن "القانون لم يعطِ العفو للعملاء للتجاوزات التي ارتكبوها، بل أعطيَ لأسر العملاء، هو ما كان مربوطاً بمرسوم يحدد شروط العودة وغيرها، وما فعلوه بالقانون هذا، إزالة الحاجة إلى المرسوم الصادر عام 2011، لكن المشكلة أن هذه العائلات كبرت، بعدما فرّوا من عام 2000، وأصبح لديهم جنسيات إسرائيلية، وربما منهم دخل الجيش الإسرائيلي، فهذا سيكون إشكالاً".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا