"المؤتمر الدائم لتراث الوادي المقدس".. الراعي: الشراكة المسيحية الإسلامية جوهر لبنان

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Aug 29 26|22:42PM :نشر بتاريخ

افتتحت "رابطة قنوبين للرسالة والتراث"، بالتعاون مع دير مار اسطفان للرهبات الأنطونيات، برعاية الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي وحضوره، الدورة الثالثة من "المؤتمر الدائم لتراث الوادي المقدس"، تحت عنوان "الأبعاد الوطنية لتراث الوادي المقدس ومئوية الدستور اللبناني".

 

وكان من المقرر أن تُعقد الجلسة الافتتاحية في بيت الذاكرة والإعلام في حديقة البطاركة، إلا أن رداءة الأحوال الجوية أدت إلى نقل المؤتمر إلى الصرح البطريركي في الديمان، وإجراء تعديل على بعض فقرات البرنامج، ولا سيما بما يتلاءم مع النقل التلفزيوني المباشر عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال.

 

حضر المؤتمر: ممثل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون المحامي أنطوان صفير، النائبان جورج عطاالله ووليم طوق، فادي غانم ممثلاً وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، النائب البطريركي على منطقتي الجبة وزغرتا المطران جوزيف نفاع، النائب البطريركي العام المطران الياس نصار، المطران كوستا كيال ممثلاً بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي، الشيخ فراس بلوط ممثلاً مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، رمزي جمّان ممثلاً شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، النائب الثاني لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الدكتور ماهر حسين، إلى جانب شخصيات روحية ورسمية وثقافية واجتماعية وإعلامية.

 

عرب

في مستهل اللقاء، اعتذر جورج عرب من الحاضرين عن التعديل الذي طرأ على البرنامج نتيجة رداءة الأحوال الجوية ونقل المؤتمر من حديقة البطاركة إلى الصرح البطريركي في الديمان، وما استلزمه النقل التلفزيوني المباشر عبر شاشة "المؤسسة اللبنانية للإرسال" من إعادة ترتيب للبرنامج.

 

ثم عرض كتاب "التراث المسيحي المشترك في الوادي المقدس – الدورة الثانية"، الذي كان قد وُزّع على الحاضرين، وقرأ فهرسه، متوقفاً بإيجاز عند ما يضمه من أبحاث تاريخية وروحية وأثرية توثّق غنى الوادي وتراثه المسيحي المشترك.

 

الشدراوي

ومع انطلاق أعمال المؤتمر، ألقى رئيس "رابطة قنوبين للرسالة والتراث" نوفل الشدراوي كلمة الرابطة، مؤكداً أن المؤتمر يأتي في ظل التحولات والتحديات التي تشهدها المنطقة، وفي وقت يحتاج فيه لبنان إلى المحافظة على دوره الحضاري بوصفه "الوطن الرسالة".

 

ورأى الشدراوي أن استعادة الصفحات المشرقة من التاريخ تسهم في تنقية الذاكرة الوطنية من رواسب الماضي وتعزيز ثقافة الحوار واللقاء، ولا سيما لدى الشباب، مشدداً على التمسك بمشروع الدولة العادلة القادرة التي تحفظ السيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر. وأكد أن "لبنان الكبير لا يستمر إلا بوحدة جميع أبنائه وتضامنهم"، داعياً إلى ترسيخ العيش المشترك ووحدة الانتماء والولاء للبنان.

 

أبي المنى

وفي مستهل الكلمات الروحية والوطنية، ألقى جمّان كلمة شيخ العقل، ناقلاً تحياته وتهانيه بانعقاد المؤتمر ودعمه لأهدافه. واستعاد باسم أبي المنى، روحية القمة الروحية الإسلامية – المسيحية التي انعقدت في دار طائفة الموحدين الدروز في فردان، بدعوة من شيخ العقل، وما جسدته من لقاء بين المرجعيات الروحية حول الثوابت الوطنية المشتركة، مؤكداً أهمية مواصلة هذه الروحية وتعزيز الحوار والتقارب بين مختلف المكونات اللبنانية، بما يحصّن الوحدة الوطنية والعيش المشترك ويجعل من اللقاء بين اللبنانيين قاعدة لمواجهة التحديات.

 

دريان

ثم ألقى الشيخ بلوط كلمة مفتي الجمهورية، ناقلاً تحياته إلى البطريرك الراعي والمشاركين. وأكد أن هذا الاجتماع يقدم صورة لبنان الحقيقية، لبنان بتنوعه وجماله لا بخلافاته وانقساماته، مشدداً على المسؤولية الكبيرة الملقاة على اللبنانيين في مواجهة التحديات. ودعا إلى ألا تبقى الكلمات في إطار المواقف والنوايا، بل أن تتحول إلى مبادرات عملية يعيشها كل إنسان من أقصى شمال لبنان إلى أقصى جنوبه، لأن ما تحتاج إليه البلاد هو أن يعيش اللبنانيون تنوعهم باعتباره غنى وجمالاً، وأن يصبح الحوار واللقاء واقعاً يومياً في حياتهم.

 

حسين

بعدها، ألقى حسين، كلمة باسم رئاسة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، ناقلاً تحيات رئيسه الشيخ علي الخطيب. وتوقف عند الدلالتين اللتين تحملهما المناسبة: الأبعاد الوطنية لتراث الوادي المقدس ومئوية الدستور اللبناني، معتبراً أن الوادي بما يحمله من إيمان وتاريخ يمثل صفاء النفس، فيما تستدعي مئوية الدستور تجديد الالتزام بالدولة والقانون والمؤسسات.

 

وأكد أن الدساتير ليست نصوصاً مقدسة، بل تخضع لحركة الزمن، فيما تكمن قيمتها في احترامها وتطبيقها بما يخدم الدولة والمجتمع ويصون سيادة لبنان واستقلاله ووحدة الوطن بجميع مكوناته. وشدد على أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يؤمن بالشراكة الوطنية الكاملة، "التي لا فضل فيها لمكوّن على آخر إلا بمقدار ما يقدمه من خدمات وتضحيات في سبيل هذا الوطن"، وبقيام الدولة العادلة الراعية والحامية، القادرة على تأمين الاستقرار والأمان لجميع مواطنيها.

 

واستعاد في هذا السياق نهج مؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام المغيب السيد موسى الصدر، والإمامين الراحلين الشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ عبد الأمير قبلان، وصولاً إلى الشيخ علي الخطيب، مؤكداً التمسك بوحدة لبنان والشراكة بين جميع أبنائه.

 

اليازجي

وتلت ذلك كلمة البطريرك اليازجي، ألقاها ممثله المطران كيال، وأكدت أن الوادي المقدس لا يُختصر ببعد طائفي أو مذهبي، بل يشكل مساحة من الذاكرة المسيحية المشرقية والتراث الوطني المشترك، وأن المحافظة عليه هي محافظة على صفحة أساسية من تاريخ لبنان الروحي والثقافي.

 

وشددت على أهمية استعادة الذاكرة المشتركة وتحويل التراث من مجرد استذكار للماضي إلى جسر للحوار والشراكة وبناء المستقبل، مشيرة الى أن لبنان، في عمق رسالته، يقوم على اللقاء والتنوع، وأن حماية هذه الخصوصية تتطلب التمسك بالعيش المشترك والدولة والمؤسسات.

 

عون

وشكلت كلمة رئيس الجمهورية، التي ألقاها ممثله المحامي صفير، محطة وطنية أساسية في المؤتمر. ونقل صفير تحياته وتقديره لهذه المناسبة التي تجمع بين مئوية الدستور اللبناني واستحضار الأبعاد الوطنية لتراث الوادي المقدس.

 

وأكد الرئيس عون أن الوادي المقدس، أو قاديشا، هو "إرث الروح ومنارة التاريخ"، وليس مجرد موقع جغرافي، بل ذاكرة وطنية تختزن تاريخاً من الإيمان والصمود والحرية، وتشهد أديرته وكنائسه ومغاوره على أن لبنان كان وسيبقى أرض الحرية والنور والحوار. وقال: "في الوادي المقدس، يذوب الحجر صلاة، وتنبت من بين الصخور أغصان الرجاء، والمغاور ما هي إلا كتاب مفتوح على الحرية". ورأى أن الوادي كان ملاذاً للحرية والكرامة، وفيه صمد اللبنانيون في وجه الاضطهاد، وتعاقبت فيه الصلوات وتجاوزت الأديان، ليبقى لبنان أرض الرسالة.

 

وأشار الى أن التراث الروحي للوادي ركيزة من ركائز الهوية اللبنانية، وأن التنوع الذي يتميز به لبنان ليس عائقاً بل مصدر قوة وإشعاع، إذ أسهم اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم في كتابة تاريخ وطنهم وصناعة مجده.

 

ومن الوادي انتقل عون إلى الدستور، معتبراً أن مئويته ليست مجرد محطة للاحتفال بماضٍ دستوري، بل مناسبة للتفكير في الدولة التي يريدها اللبنانيون للأجيال المقبلة. وشدد على أن الدستور هو عقد اجتماعي جامع وضمانة للوحدة الوطنية، وأن الديمقراطية التوافقية، وإن كانت في أساسها سنداً للنظام البرلماني، تحولت في مراحل عدة إلى عائق أمام تطبيق الدستور والقوانين، وأدخلت البلاد في أزمات عطلت الاستحقاقات والمؤسسات.

 

وأكد أن الخيار الذي لا بديل منه هو الدولة، وأن يكون الجميع تحت سقفها وسقف مؤسساتها، بحيث لا تستطيع فئة أو طائفة أن تختزل الدولة أو تتحدث باسمها. وجدد التأكيد أن لبنان لا يريد حروباً بعد اليوم، وأن من حق الأجيال الجديدة أن تعيش بسلام يحفظ السيادة والكرامة والممتلكات.

 

واستعاد كلام الرئيس الراحل كميل شمعون بأن "الدستور هو الضمانة الوحيدة لاستمرار لبنان وطناً حراً"، وكلام الرئيس الراحل فؤاد شهاب بأن "الدستور ليس نصاً جامداً، بل هو أداة لتطوير الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية".

 

وحدد الرئيس عون أربعة أبعاد للدستور تتلاقى مع رسالة الوادي المقدس: وحدة الوطن، والمساواة والمواطنة، والعيش المشترك، والحرية والرسالة. وقال: "لبنان، وفق الدستور، دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة، واللبنانيون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. كما أن العيش المشترك هو جوهر الميثاق الوطني، فيما تبقى الحرية جزءاً أصيلاً من هوية لبنان ورسالته".

 

وخلص إلى إقامة صلة عميقة بين قاديشا والدستور: فإذا كان الدستور هو العقد الاجتماعي الذي جمع اللبنانيين منذ عام 1926، فإن الوادي المقدس يمثل العقد الروحي الذي جمعهم عبر القرون، كل في إيمانه وحريته. وأكد أن إرادة الحياة التي لم تنكسر في الوادي هي نفسها روح لبنان التي لم تنكسر ولن تنكسر.

 

الراعي

وفي ختام الكلمات، كان للكاردينال الراعي كلمة موسعة، وضع فيها المؤتمر في إطاره التاريخي والروحي والوطني، وربط بين تراث الوادي المقدس والرسالة التي يحملها لبنان في محيطه والعالم. وأكد أن المسيرة التي بدأتها "رابطة قنوبين للرسالة والتراث" لم تكن مجرد عملية توثيق للمعالم التاريخية، بل سعياً إلى اكتشاف المعاني الحية الكامنة في هذا التراث وإعادتها إلى قلب الحياة الوطنية. وأوضح أن الدورتين الأولى والثانية تناولتا التراث المسيحي المشترك، فيما تذهب الدورة الثالثة أبعد من ذلك، إلى إبراز المشترك المسيحي الإسلامي في تراث الوادي وأبعاده الوطنية.

 

ورأى أن هذه القراءة تلامس جوهر لبنان، "لأن لبنان لا يقوم على إلغاء الاختلاف، بل على جعل الاختلاف مساحة للقاء والشراكة. فالطوائف اللبنانية مدعوة إلى العيش معاً في ظل العدالة والمساواة أمام القانون، وهذه الصيغة هي التي أعطت لبنان فرادته ورسخت هويته ورسالة وجوده"، مؤكداً أن "هذه الخصوصية هي التي حملت البابا القديس يوحنا بولس الثاني إلى اعتبار لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة حرية ونموذج تعددية للشرق كما للغرب".

 

واستعاد الراعي صفحات من تاريخ الوادي، ليؤكد أن قنوبين لم تكن مكاناً منعزلاً عن محيطه، بل مساحة تفاعل روحي وثقافي وحضاري. وتوقف عند النهضة الثقافية التي عرفها لبنان والمشرق، وعند تأسيس المدرسة المارونية في روما سنة 1584، وما أطلقته من حركة علمية وثقافية، ثم عند الدور الريادي الذي أدته مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا منذ سنة 1610، بما جعل الوادي جزءاً فاعلاً من نهضة فكرية وثقافية واسعة.

 

وفي قراءته للمسار الوطني، أشار الراعي الى أن الشراكة المسيحية الإسلامية مرت بمحطات صعبة، إلا أن اللبنانيين كانوا يعودون في اللحظات المصيرية إلى الخيار الذي لا بديل منه: الوحدة والعيش معاً. ولفت إلى أن هذه الإرادة تبلورت في الميثاق الوطني عام 1943، ثم تأكدت في اتفاق الطائف سنة 1989، وصولاً إلى تكريس القاعدة الدستورية الحاسمة: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

 

واعتبر أن هذه العبارة ليست مجرد نص دستوري، بل خلاصة التجربة اللبنانية بأسرها، لأن لبنان لا يستطيع أن يكون لبنان إذا استأثر به فريق، أو أُلغي منه مكوّن، أو اختل فيه التوازن الذي يقوم عليه الاجتماع الوطني.

 

وشدد الراعي على أن التمسك بالوجود والدور المسيحيين في لبنان والمشرق لا ينطلق من منطق فئوي أو انعزالي، بل من مفهوم الشراكة والرسالة، لأن الحضور المسيحي جزء من تكوين الشرق وتاريخه وهويته الحضارية، مؤكداً في المقابل أن هذه الشراكة لا تتحقق إلا مع المسلمين وفي إطار وطن واحد ودولة واحدة، فالشراكة المسيحية الإسلامية هي جوهر الكيان اللبناني وخصوصيته الفريدة.

 

ورأى أن هذه التجربة اللبنانية تشكل جواباً عملياً على منطق صراع الأديان والحضارات، لأن لبنان بتركيبته التاريخية والإنسانية أثبت أن التنوع يمكن أن يتحول من عامل انقسام إلى مصدر غنى، وأن الاختلاف يستطيع أن يصبح مساحة لقاء إذا حفظته الدولة والعدالة والمساواة.

 

ودعا الراعي إلى عدم التعامل مع تراث الوادي باعتباره آثاراً وذكريات محفوظة في الكتب والمتاحف، بل إلى جعله قوة حية في المجتمع، وترجمة قيمه إلى ثقافة حوار وتواصل وسلام ولقاء إنساني، موضحاً أن المطلوب أن تمتد هذه الروحية من قنوبين إلى طرابلس، ومنها إلى سائر المناطق اللبنانية، بحيث تصبح الذاكرة المشتركة وسيلة للمصالحة لا لاستحضار النزاعات، ولجمع اللبنانيين لا لتقسيمهم.

 

 

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan