العربي الجديد: ما بين إيران ولبنان وظروف جيش الاحتلال: لماذا علي الطاهر الآن؟
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 05 26|06:44AM :نشر بتاريخ
تكتم جيش الاحتلال الإسرائيلي، على مدار أسابيع طويلة، على عملياته في مرتفعات علي الطاهر في الجنوب اللبناني، وذلك حفاظاً على سلامة جنوده، ولكن ربما أيضاً لعدم كشف جميع أوراقه. يضاف إلى ذلك كله ما أشارت إليه تقارير عبرية، في الآونة الأخيرة، حول تخوّف إسرائيل من رد فعل إيراني، في حال خرجت مشاهد دموية من المنطقة، لاستهداف عناصر من حزب الله أو عناصر إيرانيين. لكن ما إن تداولت تقارير إعلامية تهديد إيران بأنها سترد بقوة على أي عمليات إسرائيلية في المكان، حتى سارع جيش الاحتلال ووزير الأمن يسرائيل كاتس إلى إعلان السيطرة على المكان. فما الذي حدث؟ وماذا عن التوقيت؟ وهل استشعرت إسرائيل فعلاً أن طهران قد تنفّذ تهديداتها؟
مراجعة تفاصيل نشرتها وسائل إعلام عبرية، اليوم الجمعة، تشي بأن الأمر يرتبط فعلاً بالتهديدات الإيرانية أكثر من غيرها، لكن هذا ليس السبب الوحيد. تدّعي صحيفة "معاريف" العبرية أن قرار كشف المعلومات ورفع قيود الرقابة العسكرية جاء بعد أن "بات واضحاً لإسرائيل أن حزب الله، الذي أدرك أنه فقد أصوله الاستراتيجية الكبرى، يحاول جرّ إيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل بسبب مرتفعات علي الطاهر، وكاد ينجح في ذلك". ونقلت عن مسؤول عسكري تأكيده أهمية المكان للحزب، واصفاً الأنفاق في المنطقة بأنها "ضخمة، وتضم غرف عمليات، وغرف اتصالات، وعيادات، ووسائل لوجستية وغيرها"، وأن "سقوطها بيد الجيش الإسرائيلي هو ضربة استراتيجية، عملياتية ومعنوية للتنظيم".
كما أوضح التقرير العبري أن العمليات في علي الطاهر بدأت في 14 يونيو/ حزيران، تقريباً بالتوازي مع احتلال قلعة الشقيف، وركّزت على الفصل بين أنفاق المرتفعات ومنطقة النبطية. وبحسب جيش الاحتلال، كان في الأنفاق 30 "مسلحاً" في بداية القتال. ويشدد على أنه لم يكن في الأنفاق عناصر إيرانيون من الحرس الثوري، لا عسكريين ولا مستشارين. وتزعم مصادر في الجيش أن حزب الله حاول جرّ إيران إلى التدخل، ومنع سقوط علي الطاهر بيد إسرائيل. كما تدّعي العثور على 15 جثة في الأنفاق، وتقدّر أن الآخرين تمكنوا من الابتعاد عن المكان، وبعضهم أصيب في أثناء ذلك.
وبحسب التفاصيل الإسرائيلية، مكث جيش الاحتلال فوق مناطق الأنفاق لأسابيع طويلة، واستعان بأنظمة روبوتية لمسح الأنفاق وتنفيذ عمليات "أدّت إلى استسلام المسلحين"، فضلاً عن استعانته بقوات من الهندسة القتالية والكوماندوز والمدرعات وغيرها. ولفت التقرير العبري إلى أن الساعات الأخيرة، التي سبقت الإعلان الإسرائيلي، شهدت نقاشات حول ما إذا كان ينبغي كشف عملية السيطرة على الأنفاق و"تطهيرها"، وخلص جيش الاحتلال إلى أن كشف اكتمال العملية سيقوّض رغبة إيران وشرعيتها في التحرك عسكرياً ضد إسرائيل، وأن هذه الخطوة "ستفصل، من جديد، بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية"، في إشارة إلى تجنّب "وحدة الساحات".
ما ذكرته وسائل إعلام عبرية بشأن الإعلان وتوقيته يعكس جزءاً من المشهد، إذ ثمة تفاصيل أخرى وراء القرار، أو الحاجة إلى اتخاذه. فتفادي الرغبة في مواجهة جديدة مع إيران يرتبط بمعطيات على الأرض، منها استمرار شكوى الجيش بسبب نقص قوات الاحتياط، وتآكل عدد كبير من آلياته، وتعليق الحكومة جزءاً من ميزانياته لاقتناء عتاد عسكري، ما يهدد خطوط إنتاج يفترض أن تزوده بقذائف ووسائل قتالية مختلفة. وليس بمعزل عن ذلك ما يعتبره حاجة إلى نقل قوات من جبهات مختلفة إلى الضفة الغربية المحتلة، حيث يتصاعد التوتر بسبب إرهاب المستوطنين واستهدافهم الفلسطينيين، في كثير من الأحيان بمشاركة جنوده.
ربما يدخل في المشهد أيضاً محاولة جيش الاحتلال لجم مسؤولين إسرائيليين، على رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وكاتس، عن مواصلة الإدلاء بتصريحات "غير مسؤولة ومستفزة"، خاصة في ظل تحذيرات عديدة من قبل معلّقين إسرائيليين بأن نتنياهو قد يسعى إلى جر إسرائيل إلى مواجهة جديدة، إن كان ذلك يخدمه انتخابياً، خاصة في ظل المأزق الذي تواجهه إسرائيل بعدم الحسم في أي واحدة من الجبهات، وغياب حل استراتيجي.
وربما بالنسبة إلى المستوى السياسي أيضاً، آن الأوان لإعلان "إنجاز" آخر، يضاف إلى قائمة طويلة من عناصر تروّجها الحكومة، في محاولة لتعزيز شعور الإسرائيليين بالأمان، وأنها، رغم الضغوط الدولية عليها، بما في ذلك من قبل الحليف الأقرب الولايات المتحدة، لا تخضع ولا تساوم في المسائل المتعلقة بالأمن القومي الإسرائيلي.
ورغم كل ما تقدّم، وفي ظل ضبابية المشهد، الواضح هو مضي إسرائيل في ترسيخ احتلالها للأراضي اللبنانية، وربما التقدّم لناحية توسيع ما تسميه "الخط الأصفر"، وذلك بالتوازي مع استمرار المفاوضات مع الحكومة اللبنانية. في المقابل، يدرك الإسرائيليون أنه، وسط كل الحاصل، فإن إسرائيل تستنزف نفسها أيضاً، كما لا يمكن إخفاء التوتر بين المستويين العسكري والسياسي، في ظل مسعى الثاني إلى نسب المكاسب إلى نفسه، والإخفاقات إلى غيره، منذ السابع من أكتوبر، بينما يحاول الجيش تجنّب إخفاق آخر يُسجّل على اسمه، حتى لو كان أقطاب الحكومة هم من يدفعونه إليه، لحسابات سياسية أو غيرها. إلا إن كان كل ذلك، طبعاً، يدخل ضمن مراوغة وعملية إلهاء، للدفع نحو أهداف ومآرب أخرى، على غرار ما سبق لإسرائيل فعله في لبنان وإيران، رغم أن احتمالات مبادرتها إلى هجوم جديد تبدو أقل في هذه المرة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا