الأخبار: سياسة «خنق» إيران: هل تجرؤ أميركا على معاقبة الصين؟

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Sep 08 26|06:28AM :نشر بتاريخ

في وقتٍ تمضي فيه إدارة دونالد ترامب قُدُماً في تشديد الحصار الاقتصادي والمالي على إيران، مهدِّدةً الدول التي توفر للأخيرة أيّ «نوع من شريان الحياة» بالتعرّض لـ«عواقب اقتصادية هائلة»، يبدو مفتاح النجاح في هذه المواجهة، متعلقاً بمدى استجابة بكين للضغوط، خصوصاً أن صادرات النفط الإيراني إلى المصافي الصينية تشكّل -بحسب بيانات عام 2025- أكثر من 80% من حجم صادرات طهران قاطبةً. تُظهر البيانات المتداولة لمؤسّسات تتبّع ناقلات النفط، أن كمّيات من النفط الخام الإيراني لا تزال تتدفّق إلى الصين، وأن بعض هذه الكمّيات تُسجل في السجلات التجارية على أنها آتية من دول من مثل ماليزيا وإندونيسيا، علماً أن «هيئة الجمارك الصينية» توقفت، منذ عام 2022، عن الإبلاغ عن الواردات المباشرة من النفط الخام الإيراني. وبحسب تلك البيانات نفسها، فإن واردات الصين انخفضت من نحو 1.6 مليون برميل يومياً في شباط من العام الجاري، أي قبل اندلاع الحرب، إلى نحو 800 ألف برميل يومياً في تموز الماضي، قبل أن تتراجع في آب -إثر إعادة فرض الحصار البحري على إيران- إلى نحو 530 ألف برميل يومياً.

إزاء ذلك، يُطرح السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تصفير تلك الصادرات فعلاً، أم أن الصين ستنجح مجدّداً في الالتفاف على العقوبات الأميركية -كما فعلت سابقاً عبر مواصلة شراء النفط الخام الإيراني عبر «أسطول الظلّ» وتسوية المدفوعات باليوان، بالتوازي مع تفعيل «قانون الحجب» الصيني الذي أتاح للشركات الصينية عدم الامتثال للعقوبات الأميركية-؟ يروّج ترامب ووزير خزانته، سكوت بيسنت، لكون الحزمة الجديدة، التي تستهدف قطاعات الطيران، والشحن البحري، والبنوك، والذهب، والتكنولوجيا، والعملات المشفّرة، ستكون أقرب إلى «إنزال نورماندي»، ستُقطع بنتيجته أيّ دولة ثالثة عن النظام المالي العالمي القائم على الدولار، إذا ما تجرّأت على مساعدة إيران. لكن الواقع يقول إن هذا المشروع ليس أكثر من تدوير لسياسات مجرَّبة أثبتت عجزها عن كسْر إرادة الصمود الإيرانية، فضلاً عن محدودية فعاليتها في ظلّ تنامي إمكانات الأطراف المناهضة لواشنطن. والواقع أن النواة الصلبة لهكذا خطّة تكمن أساساً في قدرة الولايات المتحدة -أو جُرأتها- على المساس بـ«الفيل القابع في الغرفة»، أي البنوك والمؤسّسات المالية الصينية الكبرى، وهو ما يؤكده معظم الخبراء، ومن بينهم ريتشاد نيفيو، خبير العقوبات السابق وأحد أبرز مهندسي سياسة الحصار ضدّ إيران، الذي يرى أنها «ليست نقطة الضغط الحقيقية بالضرورة البنوك الصغيرة التي تعالج مدفوعات إيران مباشرة، بل المؤسّسات المالية الصينية التي تتعامل مع تلك البنوك، ولديها، في الوقت نفسه، مصالح كبيرة في النظام المالي الأميركي والعالمي».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية كشفت، في 24 آب الماضي، عن قائمة أولية ضمّت نحو 60 كياناً، بينها عشرات الشركات الصينية والهونغ كونغية، وشركات وساطة، وشبكات لوجستية، وكيانات متّهَمة بمساعدة إيران. لكن بينست لم يوضح أيّ دول أو مؤسسات مالية كبرى قد تُستهدف في المرحلة المقبلة، ولم يقدّم جدولاً زمنياً محدّداً لفرض مزيد من العقوبات. وعندما سُئل عن البنوك الصينية، قال: «نريد أن نوضح اليوم أنه لا يمكن لأيّ أحد أن يكون خارج نطاق وصول العقوبات الأميركية». المفارقة، أنه لم يُدرج على قائمة العقوبات، حتى الآن، أيّ بنك صيني كبير، وهو ما يدلّ على تردّد أميركي حيال تلك الخطوة، ولا سيما مع القمّة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني، شي جين بينغ، في 24 أيلول الجاري، وفق ما أعلنته واشنطن. والأكيد أن الإدارة الأميركية، التي تتفاخر بإدراج عشرات الكيانات والشركات الطرفية والمصنوعة على القوائم السوداء أسبوعياً، تدرك أن تجاوز هذا الخطّ الحرِج، أي استهداف القطاع المصرفي الصيني الأساسي، يهدّد بتفجير «حرب» مالية شاملة مع بكين، ستؤثّر بصورة فورية في العلاقات الاقتصادية والتجارية الأوسع بين الطرفَين، وستمتدّ آثارها لتشمل القيود التكنولوجية، والرسوم الجمركية، وسلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة، وصولاً إلى ملفّ تايوان، علماً أنه سبق للصين أن أظهرت قدرتها على استخدام المعادن الحيوية وغيرها من الأدوات الاقتصادية ضدّ الضغوط الأميركية.

وعليه، يبدو التهديد الأميركي محاولةً لردع الصين وتغيير سلوكها، أكثر منه مؤشّراً على نيّة عقاب فعلي، علماً أن وزارة الخزانة الأميركية كانت فرضت، عام 2012، عقوبات على «بنك كونلون»، بسبب تقديمه «خدمات مالية إلى مصارف إيرانية خاضعة للعقوبات»، ومنعته عملياً من الوصول المباشر إلى النظام المالي الأميركي. وفيما حاول بيسنت، خلال اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين» (G20) في ولاية كارولاينا الشمالية، الأسبوع الماضي، إشاعة أجواء من التوافق بين واشنطن وبكين، بالادّعاء أن نقاط الاتفاق مع الأخيرة بشأن الملف الإيراني تفوق نقاط الخلاف، لم تتأخر الوقائع في معاكسة تلك الصورة «الوردية»؛ إذ أدّى الرفض الصيني للإجراءات الأميركية الأحادية إلى تعطيل إصدار بيان مشترك للاجتماع. وبدلاً من ذلك، سارعت الخارجية الصينية إلى التحذير من محاولات فرض «الولاية القضائية الطويلة الذراع»، مشددةً على وجوب احترام «الشواغل المعقولة لجميع الأطراف».

من جهتها، كتبت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية الرسمية، في افتتاحية حادّة، أن ما يسمّى «الإنزال الاقتصادي» هو محاولة «يائسة» من جانب الولايات المتحدة للخروج من مستنقع الحرب في الشرق الأوسط. وأضافت الافتتاحية أن «الصين تعارض دائماً التنمّر الأحادي والولاية القضائية الطويلة الذراع، ليس لأن الصين أكبر شريك تجاري لإيران، بل لأن قبول هذا المنطق الأميركي يعني أن التجارة الدولية لم تعُد تبادلاً طبيعياً بين الدول، بل أصبحت قواعد ترسمها أميركا وحدها». وإذ تساءلت الصحيفة: «إذا كان بإمكان أميركا اليوم إجبار الصين على قطع علاقاتها مع إيران، فهل يمكنها غداً قطع علاقات أيّ دولة أخرى مع العالم؟»، فهي اعتبرت أنه «ليست فقط الصين لن ترافق أميركا في المهازل، بل إن المجتمع الدولي أيضاً لن يقف إلى جانب أميركا».

هكذا، يبدو جليّاً أن بكين تقرأ حدود القدرة الأميركية بواقعية، فيما لا يَظهر أن لديها أيّ دافع للتطوّع لإنقاذ ترامب من مأزقه في الشرق الأوسط، ناهيك عن التخلّي عن براميل النفط مخفّضة الأسعار، والتعاون الاقتصادي المشترك مع دول المنطقة. وفي هذا السياق، يقول المحلل بيتر هاريل من «جامعة جورجتاون»، في حديثه إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، إن ترامب واجه في وقت سابق «خيارَين؛ إمّا الضغط حقاً على الصين، لكنه لا يريد ذلك بسبب أجندته الاقتصادية مع شي جين بينغ، أو فرض حصار بحري على الناقلات الإيرانية، وهو ما بدا أسهل من دعوة الصين إلى التوقّف عن التجارة مع إيران تحت طائلة معاقبة شركاتها الكبرى»؛ غير أن هذَين الخيارَين لم يجديا نفعاً حتى الآن. أمّا إيريكا داونز، كبيرة الباحثين في مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، فتقول في مقابلة مع «صوت أميركا»، إن «احتمال فرض الولايات المتحدة عقوبات مباشرة على بنوك صينية حكومية كبرى، مثل البنك الصناعي والتجاري الصيني، منخفض للغاية»، مشيرةً إلى أن هذه البنوك الكبرى ابتعدت منذ وقت طويل عن التعاملات المباشرة المرتبطة بالنفط الإيراني، وذلك بسبب خشيتها من مخاطر العقوبات الأميركية.

لكن في حال تتبّعت وزارة الخزانة الأميركية سلسلة من المعاملات، واكتشفت وجود صلة بين بنك صيني كبير والمعاملات ذات الصلة، فمن المرجّح، بحسب داونز، «أن تتردّد في اتخاذ إجراء، لسببَين؛ أحدهما هو التأثير في العلاقات الأميركية - الصينية، والآخر هو التأثير المحتمل في استقرار النظام المالي العالمي». وتتطابق رؤية داونز مع ما يذهب إليه نيفيو أيضاً؛ إذ يبيّن أن الولايات المتحدة تمتلك، في بعض الحالات «الشروط القانونية اللازمة لاتخاذ إجراءات ضدّ المؤسسات المالية الصينية»، لكنّها «لا تزال تتمتّع بسلطة تقديرية على مستوى السياسة، ويمكنها أن تقرّر عدم اتخاذ إجراء إذا كان من شأن العقوبات أن تضرّ بالمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة نفسها». يضاف إلى ما تَقدّم، أن واشنطن تريد أن تتمكّن بكين من «مواصلة استخدام الدولار في ممارسة الأعمال التجارية»؛ ولذلك، فإن الإفراط في استخدام السلاح المالي «قد يجلب مخاطر للولايات المتحدة نفسها».

وفي تحليل نشره «مركز الدراسات الأميركية» في «جامعة فودان»، يكتب الباحث سون تشنغهاو، من جهته، أنه إذا اقتصرت العقوبات على شركات ووسطاء منفردين، فقد يظلّ الطرفان «قادرَين على احتواء الخلافات ضمن نطاق معيّن»، مستبعداً أن «تجازف» أميركا بفرض عقوبات واسعة النطاق على الصين. أمّا الباحث البارز، لياو مينغ هوي، فيرى أن الاختبار الحقيقي للتهديدات الأميركية يكمن في ثلاثة عناصر: أولاً، «جرأة» واشنطن في توسيع العقوبات الثانوية لتشمل المؤسّسات المالية الصينية الكبرى، خصوصاً إذا ما استمرّت بكين في استيعاب النفط الإيراني؛ ثانياً، «المدى الذي ستتعاون فيه أوروبا ودول الخليج وآسيا»؛ وثالثاً، أسعار النفط نفسها؛ فـ«كلّما كان الحصار أكثر نجاحاً، زادت علاوة المخاطر في أسعار الطاقة، ممّا سيضرب الاقتصاد الأميركي نفسه مع اقتراب الانتخابات النصفية». ويخلص الباحث إلى أنه إذا فشلت واشنطن في اجتياز أيّ من هذه البوابات الثلاث، فإن تهديداتها «تتحوّل إلى خطاب سياسي فارغ».

في المجمل، تُجمع تحليلات الخبراء الصينيين على أن الصين ستواصل التمسّك بموقفها الرافض للعقوبات، مع تبنّي نهج مواصلة شراء النفط الإيراني عبر قنوات غير رسمية، وتجنّب تعريض البنوك الكبرى لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. لكن فعالية هذه الاستراتيجية تواجه اليوم اختباراً حقيقياً، متمثّلاً في أن الحصار البحري حدّ بالفعل من حركة الناقلات الإيرانية - من دون أن يعطّلها بصورة تامّة -، ممّا يجعل آليات الالتفاف التقليدية أقلّ فاعلية. وفي المقابل، فإن «نجاعة» الحصار ستزيد من علاوة المخاطر في أسعار الطاقة، وهو ما سيؤثّر على الاقتصاد الأميركي نفسه، وينبئ بأن الاستمرار في سياسة الخنق قد لا يكون خياراً مستديماً.

وعلى أيّ حال، يبقى السؤال المطروح: هل ستكتفي واشنطن بالحصار البحري والعقوبات على الكيانات الصغيرة، أم ستجرؤ على تجاوز «الخط الأحمر» باستهداف البنوك الصينية الكبرى؟ وإذا فعلت ذلك، فهل ستكون مستعدة لدفع ثمن المواجهة المباشرة؟ ربّما تحمل قمة 24 أيلول إجابات على تلك الأسئلة، على أن الأكيد أن أيّ تراجع أميركي في الملف الإيراني لن يكون إلا دفعة أولى في فاتورة حساب استراتيجي باهظة الثمن، ستسدّدها واشنطن من نفوذها العالمي.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الاخبار