افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الإثنين 14 سبتمبر 2026
الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 14 26|06:41AM :نشر بتاريخ
"النهار":
مع أن إرجاء الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي كانت مقررة في روما هذا الشهر إلى شهر تشرين الأول المقبل سيساهم في إطالة أمد الانتظار الاستنزافي الذي يعيشه الجنوب وعبره كل لبنان، علما أن لا شيء يضمن أن تشكّل الجولة المقبلة إذا انعقدت تطوراً إيجابياً عملياً وسط ارتباط نتائجها بالانتخابات الإسرائيلية، يقف لبنان أمام أسبوع طالع حافل بمحطات تتّسم بالأهمية. أبرز هذه المحطات، الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني الذي سيعقد في باريس الخميس المقبل في 17 أيلول الحالي. والمحطة الثانية تتمثّل في لقاء السفيرين اللبناني والإسرائيلي لدى الولايات المتحدة في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن. أما المحطة الثالثة، فداخلية صرفة وتتمثل في جلسة المناقشة العامة للحكومة التي يعقدها مجلس النواب يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين.
مؤتمر دعم الجيش
على صعيد المحطة الأولى، أفادت مراسلة "النهار" في باريس رندة تقي الدين، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستضيف يوم الخميس المقبل كلاً من العاهل الاردني الملك عبدالله والرئيس اللبناني جوزف عون للمشاركة في الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في لبنان الذي سيعقد في باريس. وشرح مصدر فرنسي رفيع لـ"النهار" أن الاجتماع لن يكون هو المؤتمر الذي سيقرّر تقديم الدعم والمعدات وتوزيعها على القوى المسلحة اللبنانية، بل هو لمناقشة الأوضاع الأمنية والعسكرية وحاجات لبنان التي ستقدم خلال الاجتماع. وأضاف المصدر أن الولايات المتحدة ستحضر الاجتماع على مستوى عسكري، وأيضاً سيحضر مسؤول من الخارجية الأميركية، وأكد أيضاً حضور السعودية على مستوى عسكري، ولكنه لم يؤكد بعد إذا كان الأمير يزيد بن فرحان سيحضر الاجتماع الذي ستحضره حوالي 15 دولة بما فيها دول المنطقة. ولفت إلى أن السعودية أبلغت فرنسا بوضوح أن المساعدات المطلوبة لن تتوافر قبل نزع سلاح "حزب الله". وأضاف المصدر أن الرئيس ماكرون سيعقد لقاء ثنائياً مع كل من العاهل الأردني الملك عبد الله والرئيس اللبناني جوزف عون، ثم ستكون هناك قمة ثلاثية تجمعهم في قصر الأليزيه.
وقال المصدر إنَّ باريس وإيطاليا تنسّقان من أجل التوصل إلى صيغة لتشكيل قوة مشتركة إذا طلب اللبنانيون ذلك لتخلف "اليونيفيل"، كاشفاً أن كل الاجتماعات الأخيرة التي عقدت في نيويورك أظهرت أن الإدارة الأميركية رافضة لبقاء "اليونيفيل" في لبنان، وكان ذلك جلياً في موقف مسؤولي الإدارة الأميركية. لكن المصدر أوضح في المقابل أن الأميركيين لم يرفضوا مبدأ وجود قوات دولية بعد "اليونيفيل" إذا تم التوافق على مهمتها وأن الاميركيين يبدون تفهّما لعدم ترك فراغ بعد خروج "اليونيفيل"، وأن فرنسا وإيطاليا عازمتان على القيام بنشر قوات إذا أراد لبنان كي لا يحصل فراغ تملأه إسرائيل.
إرجاء المفاوضات
يأتي ذلك فيما أُرجئت الجولة الثامنة من المفاوضات في روما وفق ما أفاد مسؤول أميركي إلى شهر تشرين الأول. وقال المسؤول إنه على الرغم من أن المحادثات لن تعقد في موعدها المقرر في أيلول، إلا أن السفيرين اللبناني والإسرائيلي سيلتقيان في وزارة الخارجية في واشنطن هذا الأسبوع "لمناقشة التطورات الراهنة ومواصلة تنفيذ" اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في حزيران.
وكان الرئيس جوزف عون أكد خلال زيارته السبت للنبطية أن "لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي". وأكد أن "هدفنا واضح وكرّرته مئات المرات وسأبقى أردده: الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، وعودة أهلنا النازحين إلى بلداتهم وقراهم، وإعادة إعمار الجنوب. هذا هدف واضح للجميع، ولا أتصوّر أحداً يختلف بشأنه". وأضاف: "سبب زيارتي إلى النبطية مع قادة الأجهزة الأمنية وقائد الجيش، القول إنّنا إلى جانبكم، ونبحث في تأمين الخدمات الكافة لكم لبقائكم هنا وتوفير الأمان. ونأمل أن يُختَم جرح الجنوب مرة لكل المرات".
ولم يكن موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بعيداً عن موقف عون، اذ قال في عظته أمس: "إن ما يصيب الجنوب يصيب لبنان كله"، مؤكداً أنه "لا يجوز أن يتحوّل موت المواطنين إلى خبر معتاد"، مشدداً على "أن حماية الجنوب لا تكون بالشعارات، بل بحماية الناس وصون حياتهم وكرامتهم".
ودعا إلى "انتقال المفاوضات والوساطات من دائرة الاتصالات إلى نتائج فعلية على الأرض، في مقدمها وقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب وتثبيت الاستقرار، ضمن ضمانات جديّة تحفظ حقوق لبنان وسيادته وتمنع تكرار التصعيد، إذ لا يجوز أن تتحول المفاوضات إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل إلى وسيلة تعيد إلى اللبنانيين الأمن والاستقرار".
الجلسة النيابية
وسوف تكون معظم الملفات الساخنة وفي مقدمها ملف الجمود في تنفيذ قرار حصرية السلاح والوضع الكارثي في الجنوب محور الجلسة النيابية لمساءلة الحكومة غداً والأربعاء. وسادت أجواء شكوك عميقة الكثير من الأوساط حيال ما إذا كان ثمة "أفخاخ" تعد لمحاولة إسقاط الحكومة، في مقابل خشية "حزب الله" من جلسة محاكمة لمسؤوليته عن الحرب. غير أن الكتل والنواب المؤيدين للحكومة يؤكدون أن أي محاولة مماثلة ستفشل وتجعل الحكومة تكسب تصويتاً ثالثاً على الثقة بها نظراً لتمتعها بغالبية نيابية لم تتراجع بعد رغم كل التطورات.
ذكرى اغتيال بشير الجميل
وسط هذه الأجواء جرى إحياء الذكرى الـ44 لاغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل في احتفال أقيم على ساحة ساسين في الأشرفية وأطلق خلاله النائب نديم الجميل مواقف بارزة، فأعلن الاستمرار في مشروع بشير، وتحدث عن خيبة أمل كبيرة جداً حيال قيام الدولة، داعياً الدولة إلى احترام كلمتها. وقال: "إذا ناطرين "حزب الله" أن يصبح لبنانياً فأنتم واهمون" . وشدّد على أن "لا سوريا ولا إسرائيل سيقومان بالعمل نيابة عنكم". وسأل، "كيف العالم يقبضكم جد ما دام لا انسجام بين القيادة العسكرية والسلطة". ورفض التهويل بالحرب الأهلية وأوضح موضوع مخيم تنورين، وقال إن رهاننا الوحيد لا يزال على الدولة، موضحاً أن هذا مخيم بشير الجميل السنوي منذ عشر سنوات. وختم كلمته بالقول: "ليس لدينا أي عقدة سلام مع أحد، لا مع إسرائيل ولا مع غيرها".
"الأخبار":
في مشروع موازنة 2027، تزداد كلفة الحصول على الخدمات بقفزات كبيرة تطاول مجموعة واسعة من الرسوم الإدارية والخدمات العامة. ففي التربية والأمن العام والشباب والرياضة، تقترح الحكومة رفع تعرفات بعضها إلى عشرات ومئات أضعاف قيمتها الحالية، إلى جانب استحداث رسوم جديدة على عدد من المعاملات والخدمات. باختصار، لم يعد الأمر مجرد تصحيح لتعرفات قديمة فقدت قيمتها، بل إعادة تسعير واسعة للخدمات العامة من المستندات والامتحانات إلى التراخيص والتأشيرات. ومن أبرز الأمثلة، ارتفاع رسم طلب الحصول على بطاقة هوية 200 ضعف، ورسم الاشتراك في امتحان الشهادة المتوسطة 100 ضعف، فيما تصل الزيادة في بعض معاملات الشباب والرياضة إلى 20 ضعفاً، وفي بعض رسوم الأمن العام إلى 4.5 أضعاف.
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الزيادات جزءاً من محاولة لزيادة إيرادات الدولة بعد سنوات من انهيار قيمة الرسوم بالليرة. لكن أرقام مشروع الموازنة لا تدعم هذا التفسير بهذه البساطة.
فمن أصل نحو 6.87 مليارات دولار تتوقع الحكومة تحصيلها في 2027، يأتي نحو 5.90 مليارات من الضرائب، مقابل نحو 969 مليون دولار فقط من الإيرادات غير الضريبية. أي إن نحو 86% من إيرادات الدولة ستبقى ضريبية. ويتراجع الاعتماد على الإيرادات غير الضريبية لتشكّل 14% من مجمل الإيرادات أو ما يعادل 86.72 تريليون ليرة أو 969 مليون دولار، وذلك بعدما كانت مقدرة بـ 18.35% من موازنة 2026 أو ما يعادل 98.8 تريليون ليرة أو 1.1 مليار دولار. وفي المقابل ترتفع الإيرادات الضريبية من 439.6 تريليوناً إلى 528.2 تريليون ليرة، أي بنحو 20%، وترتفع حصّتها من 81.65% إلى 85.9%.
المفارقة، أن الباب الذي يحمل عنوان «الرسوم والعائدات الإدارية والمبيعات»، وهو ضمن الإيرادات غير الضريبية، لا يظهر أي مردود إضافي من موجة إعادة التسعير، بل خلافاً لذلك، تنخفض إيراداته المقدّرة من نحو 326 مليون دولار في موازنة 2026 إلى نحو 193 مليون دولار في مشروع 2027، أي بنحو 41%. وسبب ذلك أن زيادة تعرفة أي رسم، لا تعني بالضرورة زيادة إيراداته بالنسبة نفسها، بل تتوقف الحصيلة على عدد المعاملات وحجم الطلب والإعفاءات، ما يعني أن توقعات وزارة المال بأن حصّة هذه الإيرادات في تمويل الخزينة ستتراجع.
من هنا تصبح المسألة في مكان آخر: على أي أسس حُدّدت الأسعار الجديدة؟
لا خلاف على أن انهيار الليرة جعل كثيراً من الرسوم القديمة بلا قيمة فعلية تقريباً. فرسم بطاقة هوية بقيمة خمسة آلاف ليرة، أو رسم امتحان بقيمة 20 ألفاً، لم يعد يعكس شيئاً من قيمته عند إقراره. لكن استعادة القيمة المفقودة لا تفسر وحدها الفوارق الهائلة بين نسب الزيادة. فبعض الرسوم ضُرب بأربعة أو خمسة، وبعضها بـ20، وبعضها بـ100 أو 200. ولو كان الأمر مجرّد تحديث موحّد للتعرفات وفق انهيار العملة أو التضخم، لكان يفترض أن يظهر معيار مشترك يمكن تتبعه بين التعرفات الجديدة.
وهنا تحديداً تظهر كلفة الخدمة بوصفها المعيار الغائب عن جداول المشروع. فالرسم الإداري مرتبط، في الأصل، بمعاملة أو خدمة أو وظيفة تؤديها الإدارة. وبالتالي، فإن إعادة تسعيره يفترض أن تستند إلى أساس قابل للتفسير. أما المشروع، فيعطي السعر الجديد من دون أن يتيح معرفة الحساب الذي أوصل إليه.
والأرقام تجعل هذا الغياب أكثر وضوحاً. ففي وزارة الشباب والرياضة، أصبح الاعتراض أو الشكوى بـ18 مليون ليرة، أي نحو 201 دولار، ونسخة المستند بـ4.5 ملايين، أي نحو 50 دولاراً، فيما يبلغ ترخيص الاتحاد 135 مليون ليرة، أو نحو 1,508 دولارات. وفي الأمن العام، تصل تأشيرة عدة سفرات لستة أشهر إلى أكثر من ألف دولار. هذه لم تعد مبالغ رمزية يمكن تفسيرها بمجرد تقريب الأرقام بعد انهيار العملة، بل أصبحت أسعاراً لخدمات عامة يفترض أن يكون ممكناً تفسير كيفية تحديدها.
حتى الأسباب الموجبة لبعض هذه التعديلات لا تعالج هذه المشكلة. ففي رسوم الشباب والرياضة مثلاً، يربط المشروع التعديل بتغير الظروف الاقتصادية والمالية وكلفة الخدمات، لكن من دون أن تعرض مواد الموازنة حساباً لكلفة كل خدمة أو كيفية انتقال هذه الكلفة إلى التعرفة المقترحة.
وهذا هو جوهر المسألة في رسوم موازنة 2027. المشكلة ليست أن الدولة قررت أخيراً تعديل رسوم بقي بعضها عند بضعة آلاف من الليرات، بل أنها انتقلت من أسعار فقدت معناها إلى أسعار جديدة من دون أي أساس ومعيار واضحين سوى العقل المحاسبي الذي يحكم إعداد الموازنات. والمفارقة أن هذه القفزات لا تأتي ضمن تحول مالي نحو الاعتماد أكثر على الرسوم. لذلك، فإن وصف ما يجري بأنه مجرد «تصحيح للرسوم» لا يشرح الكثير. فالمشروع لا يبين في أسبابه الموجبة على أي أساس قدر كل رسم، وهل أخذ بعين الاعتبار الوضع المعيشي في الخدمات التي يحتاجها محدودو الدخل، أو عدد أكبر من المواطنين.
"الجمهورية":
مشهد المنطقة بلغ في تعقيده حدّ الإنعدام الكلّي لمخارج الإنفراج، تستوطن فيه توترات مترابطة ببعضها، وعلى مدار الساعة، تتراكم عوامل تفاقمها، وخصوصاً على جبهة إيران، التي رغم الإعلان المتجدّد للرئيس الأميركي دونالد ترامب بقرب انتهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتقاطع المخاوف الإقليمية والدولية مما وصفها مسؤول غربي بـ»جبهة مفخخة بالاحتمالات الصعبة، تقترب بوتيرة سريعة من لحظة الإنزلاق من جديد إلى حرب حقيقية، وخصوصاً مع بروز المستجد اليمني، الذي لا تفصله تقديرات المحللين عن جبهة إيران، وترى أنّ ما حقّقه الحوثيون في الأيام الأخيرة ويقدّمونه كانتصار باهر، عبر فرض واقع جديد أساسه السيطرة على باب المندب».
لبنان: الأولوية للتحصين
هذه التطورات ترخي بثقلها على كل المنطقة، وجميعها متموضعة في مربّع الحذر من التداعيات والارتدادات المحتملة، ولبنان شأنه شأن هذه الدول، يترقّب مسار الأمور وما ستؤول إليه التطوّرات، إنما يزيد عنها معاناته المتزايدة على مدار الساعة، من نكوث اسرائيل بالاتفاقات والتفاهمات، وانعدام الضغوط الجدّية عليها للالتزام الجدّي بمندرجات صيغة الإطار، ووقف إجرامها البري والجوي على الأراضي اللبنانية، وعمليات النسف والتدمير المتواصلة للقرى والبلدات.
الوضع، وكما يصفه مسؤول رفيع «ليس مطمئناً على الإطلاق»، مضيفاً في ردّه على سؤال لـ«الجمهورية»: «جبهة إيران أعتقد انّها في أخطر مراحلها، وكلما تحدث الرئيس ترامب عن قرب نهاية الحرب، وهو قال ذلك في الساعات الأخيرة، وتبعاً لذلك، أشعر بأنّ جبهة إيران تقترب اكثر فأكثر من الاشتعال، تُضاف إلى ذلك جبهة اليمن التي فاجأت العالم بأسره بتطورات غير متوقعة بوصول الحوثيين إلى مقربة من باب المندب. يعني كنا أمام مضيق واحد (هرمز) صرنا أمام مضيقين».
من هنا، يتابع المسؤول قائلاً: «لا اعتقد انّ ما حصل في اليمن قد انتهى، خصوصاً انّ له تداعيات وتأثيرات خطيرة، ليس فقط على دول المنطقة، والدول الخليجية تحديداً، بل على مستوى العالم بأسره. فما حصل في اليمن أمر كبير جداً، ويكفي للتيقن من كبر حجم ما حصل، من الغضب المتصاعد إزاءه من المستويات الأمنية والسياسية في إسرائيل، الذين عبّروا عن استعدادهم للمشاركة في حرب على اليمن. ومن هنا اعتقد انّه من الصعب جداً على هذه الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، أن تسلّم بما حصل كأمر واقع، فالتسليم هنا معناه التسليم بانتصار لإيران وحلفائها في اليمن وفي سائر الجبهات، وهذا ما لا اتوقعه، بل لا استبعد ردّ فعل عسكري على ما حصل، الّا إذا كان خلف الأكمة ما خلفها من أمور نجهلها، غطّت سيطرة الحوثيين بصورة مفاجئة بل وميسّرة، على باب المندب.. لا أعرف، يجب ان ننتظر ما ستحمله الأيام المقبلة».
وإذ قدّر المسؤول الرفيع عالياً زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى منطقة النبطية، والتي انطوت على مجازفة شخصية منه في ظل الاعتداءات الإسرائيلية واستهدافها هذه المنطقة بالذات، قال: «المؤسف انّ لبنان مكتوب عليه أن يكون في عين العاصفة مع كل حدث خارجي يحصل في المنطقة أو خارج المنطقة، فتربته السياسية وغير السياسية خصبة لتلقّي الإرتدادات والتفاعل معها أياً كان مصدرها. وتبعاً لذلك، ما يجب أن نعرفه هو انّ الخطر كبير جداً، والمرحلة الراهنة، في ظلّ ما تزدحم فيها من تطورات خطيرة، يفترض أن تضع اللبنانيين، كل اللبنانيين، أمام لحظة الخروج من عقول الحقد، والعودة إلى الرشد، والالتقاء على واجب التحصين الداخلي، وإظهار القدر الأعلى من التماسك على كلّ المستويات السياسية والرسميّة. والأهم من كل ذلك، الاستفادة من تجارب الماضي وما جرّته من ويلات ونكبات، وتجنّب أيّ مؤثرات من شأنها أن تلقي بتأثيراتها السلبية وتوفّر ذرائع لأعمال عدائية. وهنا لا تُعفى الحكومة من مسؤولياتها، فالمهمّة الأساس في هذا المجال تقع على عاتقها، وآن لها أن تغادر منصّة الكلام والوعود والتنظيرات، وتنزل إلى ميدان العمل الفعلي، سواء على مستوى قضايا البلد وملفاته المالية والاقتصادية والخدماتية والمعيشية التي تشهد انزلاقاً فادحاً، أو على مستوى مباشرة العمل بصورة جدّية وحثيثة لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي على لبنان واحتواء معاناة المتضرّرين».
اعتداءات .. ومفاوضات
إلى ذلك، أمضى الجنوب أمس، يوماً من الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة، وتركّزت بصورة خاصة على منطقة النبطية، حيث لوحظ انّ الجيش الإسرائيلي انتقل باستهدافاته من مرتفع علي الطاهر بعد نسف قاعدة «حزب الله» فيه، إلى المرتفع القريب منه المعروف بـ«تلة السويداء»، حيث كثف غاراته الجوية عليها، بالتزامن مع استمرار عمليات التدمير الشامل للقرى الواقعة جنوب الليطاني، وايضاً على بلدة المنصوري التي تشهد تدميراً ممنهجاً لكل بناها السكنية.
ويتزامن ذلك، مع تأكيدات متتالية من جانب المسؤولين الإسرائيليين، على عدم الانسحاب من المنطقة الجنوبية المحتلة، في وقت يواصل الإعلام العبري إثارة الغبار حول مسألة انعقاد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ويؤكّد انعقادها قبل نهاية الشهر الجاري، وهو أمر لم يؤكّده أي مصدر رسمي لبناني. كما انّه يتناقض مع إشارات أميركية جدّية حول احتمال انعقاد جولة المفاوضات في روما في شهر تشرين الاول المقبل، وانّ الخارجية الأميركية تحضّر لاجتماع بين وفدي لبنان وإسرائيل في واشنطن ربما هذا الاسبوع.
من حقنا أن نسأل
وفيما اكّدت معلومات موثوقة «أنّ لا موعد محدداً للمفاوضات حتى الآن لا في ايلول ولا في تشرين الاول»، أبلغ مصدر مواكب للمسار التفاوضي من بداياته إلى «الجمهورية» قوله: «جولات التفاوض مع إسرائيل، وضعت الحل السياسي والديبلوماسي على السكة، وتمكنا من إنجاز الإتفاق الإطاري برعاية وشراكة مباشرة مع الراعي الأميركي، لكن مماطلة إسرائيل وتجاوزها للاتفاق، حوّلت هذا المسار برمّته إلى دوران في الفراغ».
وأكّد المصدر عينه «أنّ من حق اللبنانيين، كل اللبنانيين، أن يتساءلوا عن جدوى المفاوضات والإتفاق الإطاري، طالما انّ إسرائيل تعبث بهذا المسار من بداياته، ولم تقم بأي خطوة تثبت صدقية التزامها بهذا الاتفاق، بل بالعكس تكثف اعتداءاتها بصورة مريبة».
ورداً على سؤال عمّا اذا كان ثمة جدوى من استمرار مشاركة لبنان في المفاوضات في ظل التعطيل الإسرائيلي المتواصل لها وتجاوزها صيغة الإطار، قال: «بالتأكيد انّ على الجانب الأميركي مسؤولية الدفع بالاتفاق وإلزام إسرائيل به وبوقف اعتداءاتها. واعتقد انّ جميع المعنيين باتوا على علم بأنّ لبنان لا يستطيع أن يحتمل استمرار المماطلة البلاحدود من قِبل إسرائيل وخروجها على الاتفاق، والإصرار على عدم الانسحاب وتكثيف الاعتداءات، وأكثر من ذلك، الهروب بخبث إلى الأمام، عبر محاولة اختلاق توترات داخلية في لبنان، بالقول المتواصل بأنّ لبنان من خلال توقيعه على صيغة الإطار، إنما هو غطّى استمرار بقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة جنوب الليطاني وعدم الانسحاب منها، وهو ما يناقض الهدف اللبناني المركزي من هذه المفاوضات، وهو إجلاء الاحتلال الإسرائيلي بالكامل عن الأراضي اللبنانية ونشر الجيش وصولاً إلى آخر متر من الحدود الدولية».
لها تجارب سابقة
وفي السياق ذاته، قالت شخصية وسطية بارزة رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «من الأساس يجب أن نحسم مسألة، وهي انّه لا يُؤمّن لإسرائيل. واما في ما خصّ الاتفاقات والتفاهمات وغيرها، فلإسرائيل تجارب سابقة يجب أن نتمعن بها، وكيف تعاملت معها، من اتفاق اوسلو إلى آخر اتفاق مع «حماس» قبل فترة قصيرة.. إسرائيل لا تلتزم باتفاقات، وتبعاً لذلك، من الصعب الرهان على إيجابية إسرائيلية إزاء ما سُمّي «صيغة اطار» مع لبنان. وكما نرى ويرى الجميع، هي تعطّل الاتفاق من لحظة توقيعه، والرهان على أن تغيّر تعاطيها معه هو رهان غبي، ولذلك يجب ان نتوقع منها المزيد من المماطلة والتعالي واللامبالاة».
وعمّا إذا كانت المماطلة مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، قالت الشخصية الوسطية: «هناك مَن يراهن على بروز إيجابيات بعد الانتخابات في إسرائيل، وهذا في رأيي تبسيط للامور وتحليل من خارج الواقع، ذلك أنّ السياسة الإسرائيلية واحدة في توجّهها العدواني والتوسعي، مهما اختلفت الوجوه والأشخاص».
عون في النبطية
وموضوع المفاوضات، تحدث عنه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال زيارته مدينة النبطية صباح أمس الاول السبت، يرافقه قائد الجيش العماد رودولف هيكل وعدد من قادة الأجهزة الأمنية. حيث اكّد «أنّ لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي»، مؤكّداً أنّ «الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين والإعمار ثوابت وطنية نتعهّد بتنفيذها».
وصل عون إلى النبطية وسط إجراءات أمنية مشدّدة وانتشار للجيش اللبناني، وتفقّد الوحدات العسكرية في مدينة النبطية، كما زار السرايا الحكومية واتحاد بلديات النبطية، حيث التقى رؤساء البلديات. ورحّب عدد من أهالي النبطية بالرئيس عون والوفد المرافق، وناشدوه توفير الأمان لهم والتواصل مع وزيرة التربية والتعليم العالي لتوفير مقاعد للطلاب النازحين في المدارس الرسمية.
وتوجّه عون إلى الأهالي بالقول: «واجبنا أن نبقى إلى جانبكم ولن نترككم أبداً». أضاف: «سبب زيارتي إلى النبطية مع قادة الأجهزة الأمنية وقائد الجيش اللبناني للقول إنّنا إلى جانبكم، ونبحث في تأمين الخدمات الكافة لكم لبقائكم هنا وتوفير الأمان».
وزار الرئيس عون برفقة العماد هيكل وقادة الأجهزة الأمنية، مستشفى نبيه بري الحكومي الجامعي، حيث هنّأ رئيس الجمهورية العاملين على صمودهم في هذا المستشفى رغم كل الصعوبات والظروف الصعبة وتقديم الحدّ الأدنى من الضمانات الصحية.
ومن أمام المستشفى قال عون: «نحن هنا لنشكر طاقم المستشفى على صموده ونحن نفتخر بهم؛ لأنّهم رغم الظروف الصعبة خاطروا ويخاطرون بحياتهم لتأمين الحدّ الأدنى من الخدمات الطبية».
وأكّد العماد هيكل، خلال مغادرته المسىتشفى، «أنّ الجيش متواجد دائماً في النبطية وكل البلدات اللبنانية المحررة، ونأمل أن نُحرّر بقية البلدات وسنتواجد فيها عندئذ أيضاً».
ولاحقاً، توجّه عون والوفد المرافق إلى بلدة زوطر الغربية التي كانت أولى «المناطق التجريبية» في الجنوب، حيث زار كنيسة البلدة.
من جهة ثانية، وفي كلمة له لمناسبة الذكرى السنوية الرابعة والأربعين للرئيس الراحل بشير الجميل التي تُصادف اليوم الاثنين في 14 ايلول، قال رئيس الجمهورية: «جسّد الرئيس الشهيد بشير الجميل، بمواقفه ونضاله، إيماناً راسخاً بلبنان الكيان الواحد، الأرض والإنسان، وعبّر عن هذا الإيمان بشعاره الخالد «لبنان 10452 كلم²»، الذي اختصر به فلسفة وطنية جامعة تؤكّد أنّ لبنان بكامل جغرافيته ومساحته وطن نهائي لجميع أبنائه، لا يتجزأ ولا ينتقص، ولا مكان فيه للفرز أو التقسيم أو الإلغاء. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى استشهاده، نؤكّد أنّ رسالته تبقى حاضرة في مسيرتنا الوطنية، وأنّ التمسك بوحدة الأرض والشعب والمؤسسات هو خير وفاء لدماء الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً للبنان».
الر اعي
في سياق متصل، قال البطريرك الماروني مار بشارة الراعي في عظة قداس الأحد أمس: «ما يصيب الجنوب يصيب لبنان كله، وحماية الجنوب لا تكون بالشعارات، بل بقيام دولة تتحمّل مسؤوليتها كاملة تجاه الأرض والشعب».
ورأى «أنّ حصر السلاح بيد الدولة ليس مسألة غلبة فريق على آخر، ولا مواجهة مع طائفة أو جماعة، بل هو تثبيت لمرجعية وطنية واحدة، ولحق الدولة في أن تكون صاحبة القرار السيادي والمسؤولة عن حماية جميع أبنائها». وقال: «لا بدّ أن تنتقل المفاوضات من مرحلة الاتصالات والوساطات إلى مسار واضح ومحدّد الأهداف، يقود إلى نتائج فعلية على الأرض: وقف الاعتداءات، تحقيق الانسحابات، وتثبيت الاستقرار ضمن ضمانات جدّية تحفظ السيادة اللبنانية وتمنع تكرار التصعيد. فلا يجوز أن تتحول المفاوضات إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حل واضح، يحفظ حقوق لبنان ويضع حدًّا لحالة عدم الاستقرار».
الديار:
قـــــررت واشـــنـطـن استبدال الجولة التفاوضية الثامنة، التي كان يفترض أن تنعقد في روما هذا الأسبوع بين لبنان و«اسرائيل»، وبرعاية وحضور أميركي، بلقاء ثنائي بين سفيري لبنان و«إسرائيل> في الولايات المتحدة الأميركية.
ولا تبدو أن الأسباب التي قُدِّمت بشكل غير رسمي لتأجيل الجولة مقنعة، ومنها الانشغال الاسرائيلي بأعياد يهودية، كما اجتماعات الأمم المتحدة وغيرها من المواعيد. فالواقع يؤكد أن السبب الأبرز للتأجيل، هو عدم حماسة «إسرائيل» للجلوس راهنًا إلى طاولة التفاوض، وتقديم أي تنازل عشية الانتخابات الإسرائيلية.
لذلك ليس مستبعدا أن يتواصل تأجيل انعقاد الجولة التفاوضية المقبلة، حتى انتهاء الانتخابات في «تل أبيب»، التي كثفت يوم أمس من غاراتها وتفجيراتها، وهو مسار على ما يبدو سيتصاعد في الأيام والأسابيع المقبلة، في إطار حملة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتخابية.
لقاء واشنطن
وأعلنت السفارة الأميركية في بيروت مساء الأحد، أن لقاء بين سفيري لبنان و«إسرائيل» سيُعقد في واشنطن الأسبوع المقبل، للبحث في تنفيذ الإطار الثلاثي.
وقالت مصادر مطلعة أن «اللقاء ينعقد بقرار وإيعاز أميركي، بحيث اعتبرت واشنطن أنه كان لا بد من استبدال جولة التفاوض التي تم تأجيلها بخرق ما، خشية شعور الطرفين أن هذا المسار، أي المسار التفاوضي، غير فعال، وبالتالي قد يشهد تراكمات تؤدي إلى صعوبة انقاذه بعد فترة».
وتشير المصادر الى أنه «ليس خافيا أن نتنياهو ليس متحمسا على الإطلاق للجلوس إلى طاولة التفاوض، وتقديم أي تنازل تطالب به واشنطن قبيل انتخاباته المقبلة، والتي يسعى فيها إلى جعل الكلمة الأولى للتصعيد وللميدان، لأنه يعي أن الناخبين في «إسرائيل» همهم الأساسي اليوم أمنهم، وهو أمن يرون أنه لا يتحقق إلا بالقوة، ما دام حزب الله لم يسلم سلاحه بعد».
الواقع الميداني
ولم يكن لزيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى النبطية أثر فعلي على الأرض، لجهة تراجع العمليات الإسرائيلية، فاقتصرت أهمية الزيارة على رمزيتها، في ظل المساعي التي يقوم بها لبنان الرسمي لإعادة الدولة إلى الجنوب، لكن على ما يبدو أن المسار طويل ومعقد، و «إسرائيل» لا تساعد على الإطلاق في هذا المجال، وهو ما يبلغه رئيس الجمهورية تكرارًا ومرارًا للوسيط الأميركي.
وقد فعّلت ووسعت «تل أبيب» بالأمس استهدافاتها وعمليات القصف والتفجيرات، وهو مسار على ما يبدو سيسلك منحى تصعيديا في الأيام المقبلة. فقد اغار العدو على زوطر الشرقية والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وتلة الدبشة وحرج علي الطاهر وبلدات المنصوري وحداثا وياحون. كما شهدت منطقتي الطيري وزوطر الشرقية تفجيرات ضخمة.
موقف لافت للراعي
في هذا الوقت، لفت دخول المرجعيات الدينية على الخط بمواقف لافتة من الوضع في الجنوب ومسار التفاوض. اذ برز انتقاد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لمسار التفاوض بشكله الحالي، معتبرا أنه «لا بد أن تنتقل المفاوضات من مرحلة الاتصالات والوساطات إلى مسار واضح ومحدد الأهداف، يقود إلى نتائج فعلية على الأرض: وقف الاعتداءات، تحقيق الانسحابات، وتثبيت الاستقرار ضمن ضمانات جدية تحفظ السيادة اللبنانية وتمنع تكرار التصعيد».
وشدد على أنه «لا يجوز أن تتحول المفاوضات إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حل واضح، يحفظ حقوق لبنان ويضع حدّا لحالة عدم الاستقرار».
تصعيد عنيف من قبلان
وفي أعنف تصعيد بوجه السلطة، شن المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان حملة عنيفة اعتبر فيها «أن لا شغل للسلطة التنفيذية إلا الفتنة والخنق واللعبة الخارجية، للخلاص من جبهة الجنوب وإغلاق منافذ الإغاثة عن أهم مُكون سيادي لبنان»، لافتا الى أن «ترك الجنوب بهذه الطريقة خيانة عليا، والعين بالعين، والاستهتار بدمائنا وقرانا وتجيير الدولة لابن الستّ، والتعامل معنا كأننا أبناء جارية لن يمرّ، وسنتحاسب، وهناك من يقتلنا اليوم ويشارك بكل مؤامرة وخيانة لإبادتنا والخلاص منّا، ولن نقبل المساومة على دمنا وقرانا ومدننا».
ورأى قبلان أن «الحل بإطلاق صرخة وطنية وورشة عملانية تمنع السلطة المجنونة من أسوأ فتنة داخلية، وأخطر كارثة سيادية، سيما أنها تعطي «إسرائيل» الإرهابية المدة الكافية للخلاص من تدمير الجنوب وجرفه».
الأنباء:
لم يعد السؤال متى تُستأنف المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل ما الذي يمكن أن تحقّقه في ظلّ انسجام المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل على الاحتفاظ بمناطق أمنية عازلة، يبقى فيها جيش الاحتلال إلى أمد غير محدّد. فمنذ انطلاق المفاوضات في واشنطن في 14 أيار الماضي، مروراً بتوقيع اتفاق الإطار في 26 حزيران، لم يلمس لبنان وقفاً للاعتداءات أو انسحاباً من أراضيه، فيما تواصل إسرائيل تكريس سيطرتها الميدانية وربط أي تراجع عنها بشروطها.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لتوضح المنطلق الذي تتعامل منه حكومته مع المسار التفاوضي. فقد أعلن أن الجيش يستعد للسيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر، لمنع حزب الله أو أي مجموعات أخرى من إعادة تثبيت وجودها فيها، واصفاً إياها بأنها جزء من "المنطقة الأمنية" الإسرائيلية، ومهدّداً باستهداف أي شخص يقترب منها. والأبرز تأكيده أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب أو تعيد انتشارها قبل تجريد حزب الله من سلاحه في جميع أنحاء لبنان، بما يجعل إنهاء الاحتلال رهناً بشرط إسرائيلي يترك الباب مفتوحاً أمام بقائه.
أمام هذا الواقع، يكتسب السؤال عن جدوى المفاوضات إلحاحاً إضافياً: على ماذا يجري التفاوض إذا كانت إسرائيل تتمسّك بالبقاء، وتواصل القصف والتفجير، من دون ضغط أميركي يُترجم إلى تغيير في سلوكها؟ وقد أكدت السفارة الأميركية في بيروت أن الجولة التاسعة ستُعقد الشهر المقبل في روما، على أن يلتقي سفيرا لبنان وإسرائيل في واشنطن هذا الأسبوع لبحث تنفيذ "الإطار الثلاثي". لكنّ استمرار اللقاءات لا يكفي بحدّ ذاته لتأكيد جدوى المسار، ما لم ينعكس انسحاباً ووقفاً للاعتداءات.
ولعلّ إرجاء الجولة المقبلة يتيح للجانب اللبناني مراجعة خياراته على أساس ما تحقّق فعلياً، وما خسره لبنان ميدانياً خلال أشهر التفاوض. وهي مراجعة تزداد ضرورة مع اتساع تدمير المنازل والمؤسسات وتهجير الأهالي، وتستدعي بالتوازي خطة داخلية للصمود ومساعدة أهل الجنوب، كما دعا الرئيس وليد جنبلاط. فحماية المواطنين ودعم بقائهم في أرضهم مسؤولية لا تحتمل انتظار نتائج مفاوضات ما زالت إسرائيل تفرض عليها شروط الاحتلال.
وفي سياق التضامن مع الجنوبيين، توجّه عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب بلال عبدالله بالتحية إلى رفاقه في الحزب التقدمي الاشتراكي الذين استهدفهم العدو الإسرائيلي، معتبراً أن ما حصل يحمل رسالة سياسية. وكتب عبر منصة "إكس": "إلى رفاقي في الجنوب، سرحان سرحان، وحسن بدوي، وعبد الحليم شويكاني، وحسين شمص، وحسين إدريس، كل التحية والتضامن معكم من كل تقدمي اشتراكي في لبنان والاغتراب. وأضاف: "إن استهدافكم من العدو الإسرائيلي هو رسالة سياسية نفهمها، وهو دليل على أنكم ملح الأرض وأصالتها، شأنكم شأن آلاف الأهل من الجنوب. هذه ضريبة الانتماء!".
إقليمياً، أُرجئ إلى موعد غير محدّد الاجتماع الذي كان مقرّراً في سلطنة عُمان بين وزراء خارجية إيران والعراق والسعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان، لبحث ترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز وملفات إقليمية أخرى. وأتى التأجيل فيما أفاد مسؤول خليجي بأنّ السعودية قدّمت تعديلات على المقترح العُماني ـ الإيراني بشأن المضيق، خشية أن تُكرّس صياغته وضعاً قائماً جديداً لا تقبله المملكة أو بقية دول مجلس التعاون الخليجي. وبينما عزت مسقط الإرجاء إلى الحرص على تهيئة الظروف الملائمة لحوار بنّاء، أعقبت التأجيل سلسلة اتصالات شملت وزير الخارجية القطري ونظراءه السعودي والكويتي والعُماني، والوزيرين السعودي والإماراتي، وكذلك الوزيرين الإماراتي والعراقي.
"نداء الوطن":
بعد 44 عامًا على استشهاده، لا يزال بشير الجميّل المعيار الذي تُختبر به قدرة الدولة على أن تكون دولة فعلا. المعادلة المصيرية واضحة: إما "جمهورية البشير" اللبنانية، وإما "جمهورية خامنئي" الإيرانية. وبين نموذجين لا يشبه أحدهما الآخر ويتناقضان تناقض الحياة والموت، يُعدّ الجنوب ساحة الاختبار الحقيقية لهذا الخيار الوجودي. فالدولة تحاول تثبيت حضورها عبر تعزيز انتشار الجيش والأجهزة الأمنية في النبطية ومحيطها، وسط مساندة من الأهالي، فيما تبقى هذه المحاولة محفوفة بالمخاطر ما دام "حزب الله" يرفض تسليم سلاحه وتمكين الدولة من احتكار القوة والقرار.
وهنا تحديدًا تستعيد تجربة بشير الجميّل معناها. فالمقاومة اللبنانية الحقيقية التي قادها لم تكن، في فكره وعقيدته السياسية، غاية قائمة بذاتها ولا مشروع دويلة داخل الدولة، بخلاف ميليشيا طهران في لبنان.
وفيما تُطرح استعادة الأرض إلى كنف الشرعية، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي نفّذ انسحابًا محدودًا من مرتفعات علي الطاهر باتجاه قلعة الشقيف، وأن اتصالات تجري مع الحكومة اللبنانية لبحث إمكان دخول الجيش اللبناني إلى علي الطاهر ومحيطها. كما تحدثت عن خطة إسرائيلية للتراجع تدريجيًا من بعض النقاط التي تتمركز فيها القوات حاليًا وصولا إلى "الخط الأصفر".
إزاء هذا المعطى العسكري، يعود المسار الدبلوماسي إلى الحركة بعد تجميد موقت، إذ نقلت السفارة الأميركية في بيروت عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة (ندى حمادة معوّض) والسفير الإسرائيلي (يخيئيل لايتر) سيجتمعان في وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع المقبل لمناقشة التطورات الراهنة ومواصلة تنفيذ "الإطار الثلاثي"، الذي وصفه بأنه "الآلية الوحيدة القابلة للتطبيق لاستعادة سيادة لبنان وأمن إسرائيل"، مشيرًا إلى أن الجولة المقبلة من المحادثات الرسمية ستُعقد في روما خلال تشرين الأول.
وفي هذا الإطار، أفادت معلومات "نداء الوطن" بأن الاجتماع سيركّز على تقييم الوضع وتذليل العقبات أمام الجولة الجديدة، وسيشكّل مناسبة لوضع النقاط على الحروف وتحديد مدى جدوى الاستمرار في التفاوض، في وقت تضغط فيه واشنطن للحفاظ على المسار التفاوضي والوصول إلى نتيجة ملموسة.
قمة ثلاثية تمهّد لدعم الجيش
توازيًا، ومع تقدّم ملف دعم الجيش والأجهزة الأمنية، علمت "نداء الوطن" أن قمة ستجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وملك الأردن عبد الله الثاني، قبيل اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش. وستتناول القمة أوضاع لبنان والمنطقة والحروب الدائرة، على أن يليها افتتاح المؤتمر التحضيري الذي يُفترض أن يمهّد لحشد دعم واسع للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، ضمن شروط وآليات محددة.
بشير في الأشرفية
وفيما تُختبر معادلة الدولة والسيادة على الأرض وفي أروقة روما، عادت ذكرى بشير الجميّل إلى الواجهة من قلب الأشرفية "بداية بشير"، في حضور دبلوماسي وسياسي وشعبي لافت، تقدّمه السفير الأميركي ميشال عيسى. وفي كلمته، اعتبر النائب نديم الجميّل أن المدخل الأساسي للنهوض بالبلاد هو أن "تقبض الدولة حالها جد، وتحترم قراراتها، وتكون على قدر كلمتها"، مشددًا على ضرورة امتلاك الإرادة والجرأة لتنفيذ مشروع دولة حقيقي. وانتقد الجميّل الرهان على تبدّل موقف "حزب الله"، قائلا: "إذا كنتم تنتظرون من الحزب أن يصبح لبنانيًا ويسلّم سلاحه للدولة، فأنتم لا تفهمون سياسته، ولا عقيدته، ولا مدى ارتباطه بإيران". وأشار إلى استعداد المجتمع الدولي والدول العربية والخليجية لدعم لبنان، لكنه أعاد المسؤولية أولا إلى الداخل، متسائلًا: "كيف للعالم أن يأخذنا على محمل الجد وأنتم تسمحون للحرس الثوري الإيراني والميليشيا بمواصلة حفر جبالنا وتكتفون بالمشاهدة؟ هل تريدون أن يصبح كل لبنان شبيهًا ببنت جبيل وعلي الطاهر؟".
الدولة تستذكر "الرئيس الحلم"
ومن أبرز ما حملته المناسبة هذا العام، أن الدولة التي استشهد بشير في سبيل قيامها، ثم خضعت طويلا للاحتلال السوري ولاحقًا للهيمنة الإيرانية، كانت تتحاشى ذكر اسمه. أما اليوم، فالمشهد مختلف، إذ وضع رئيس الجمهورية جوزاف عون ذكرى بشير في صلب الذاكرة الوطنية ومشروع استعادة الدولة، مؤكدًا أن الرئيس الشهيد بقي "رمزًا للإيمان بلبنان الرسالة والسيادة والحرية"، وأن شعاره "لبنان 10452 كلم²" اختصر فلسفة وطنية تقوم على وحدة الأرض والكيان ورفض التقسيم والإلغاء، مجددًا العهد بالعمل على استكمال بناء "الدولة القوية العادلة". أما رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، فلفت إلى أن الخلاف، مهما اشتد واتسع، لا يمكن أن يبرر اللجوء إلى الاغتيال، سواء عبر العبوات والمتفجرات أو باستخدام كواتم الصوت. وشدد على أن تجاوز صفحات العنف في تاريخ لبنان لا يكون بإنكارها أو طيّها بالنسيان، بل بالمصارحة والمصالحة وإدارة الاختلاف تحت سقف المؤسسات والقواعد الديمقراطية.
قضائيًّا، وفي تطور بارز في قضية تفجير مرفأ بيروت، أنهى المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعة النيابة العامة في الأساس، ومن المرجح أن يعمد إلى تسليمها إلى المحقق العدلي، القاضي طارق البيطار، غدًا، تمهيدًا لإصدار القرار الاتهامي.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا