الجمهورية: لقاء ثلاثيّ يبحث دعم الجيش اللبنانيّ... الحكومة من الثقة النيابية إلى اختبار الجنوب
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 18 26|07:22AM :نشر بتاريخ
كان اليوم الباريسي أمس يوماً لبنانياً بامتياز، تلاحقت خلاله اللقاءات قبل الاجتماع الدولي التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وخلاله وبعده، في ظل انطباع مفاده، أنّ هذا الدعم ما زال لدى الجهات المانحة مرهوناً بتنفيذ الحكومة قرارها بحصرية السلاح بيد الدولة، إلّا أنّ الاجتماع في حدّ ذاته دلّ إلى اهتمام عربي ودولي كبير بلبنان، واستعداد لمساعدته سياسياً وديبلوماسياً في إنهاء حال الحرب في الجنوب وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة.
انعقد أمس الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في قصر «الانفاليد» في باريس، وشارك فيه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وحضره ممثلون عن الولايات المتحدة الأميركية برئاسة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال جوزف كليرفيلد، والسفيران الأميركي في بيروت ميشال عيسى والفرنسي باتريك دوريل، بالإضافة إلى ممثلين عن كندا وعدد من الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وممثلين عن مؤسسات دولية. كذلك حضر قائد الجيش العماد رودولف هيكل على رأس وفد من المؤسسة العسكرية، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، وقادة جيوش ورؤساء أركان وسفراء من عدد من الدول.
وشدّد ماكرون لدى افتتاحه الاجتماع، على «أهمية بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها»، مشيراً إلى انّ «هناك فرصة اليوم لإعادة الأمن إلى لبنان»، مشدّداً على «ضرورة احترام تطبيق صيغة الإطار من قبل إسرائيل»، موضحاً أنّه سيُجري اتصالات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقيادة الأميركية «لتحقيق هذا الموضوع، والتأكّد من أنّ إسرائيل تحترم ما توقّع عليه». وأكّد أنّ «هذا يعني اولاً، تحقيق الانسحاب التدريجي من الأراضي التي احتلتها، وتولّي الدولة اللبنانية زمام الأمور، وثانياً وبشكل متزامن، إيجاد الظروف للقوات المسلحة اللبنانية وللجيش اللبناني كي يكونوا في موقع القيادة، ومساعدتهم في تحقيق هذا الامر، لا سيما عبر دعم قدراتهم». وقال: «إنّ دعم الجيش اللبناني ومساعدته هو أمر حاسم، ليحلّ مكان الوجود الإسرائيلي غير الشرعي في جنوب لبنان. كما علينا إيجاد ظروف مناسبة في لبنان كي يستعيد سيادته، ويتمكن من إعادة بناء الجنوب ويعيش اللبنانيون بأمان وظروف جيدة».
وتطرّق ماكرون إلى مرحلة ما بعد قوات «اليونيفيل»، مشيراً إلى أنّه عمل بجدّ مع رئيسة وزراء إيطاليا لهذه المرحلة، وقال: «إنّ نهاية ولاية القوات الدولية في الجنوب هي خطأ كبير، وعلينا أن نحضّر من جهتنا لليوم التالي». أضاف: «لا يمكن للقوات الدولية ان تكون بديلاً عن الجيش اللبناني، وتلك التي ستنتشر في الجنوب في مرحلة لاحقة، ستكون حاضرة لدعم الجيش الذي سيقوم بعمله ويؤدي واجبه».
الملك عبد الله
بدوره، شدّد العاهل الأردني على انّ «الجيش اللبناني هو عماد أمن لبنان واستقراره»، مشيراً إلى انّ «ثقة الشعب اللبناني بجيشه تشكّل الوحدة الأساسية من أجل لبنان». وأشار إلى «وجود مسؤولية للمجتمعين لتعزيز وتمكين الجيش اللبناني بأسرع ما يمكن لاستعادة السيطرة على الأراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب». ودعا إلى «تعزيز صمود الجيش وتولّيه زمام الأمور وإعطائه الحرّية لمعالجة بقية المسائل الداخلية وحصر السلاح في يد الدولة اللبنانية». وأشاد بجهوزية العسكريين اللبنانيين، لافتاً إلى «حاجتهم للإمكانات لتعزيز الأمن وتأمين الحدود، ولقِطع الغيار لدعم المعدات الموجودة لديهم ولمكافحة المسيّرات والرقابة على الأجواء اللبنانية»، مشدّداً على «ضرورة النظر إلى إمكانية سدّ الفجوات الموجودة بأسرع ما يمكن». وأشار إلى انّه «سيكون هناك موعد آخر في نهاية هذه السنة، لعرض حصيلة ما يكون قد تحقق».
عون
اما الرئيس عون فطلب في كلمته دعم العالم للبنان وجيشه، ليسرع في تنفيذ التزاماته الدولية، معتبراً أنّ المجتمع الدولي شريك للبنان في هذه المهمّة. وأكّد أنّ «صيغة الإطار الثّلاثيّ التي تمّ التّوصّل إليها مع إسرائيل برعاية الولايات المتّحدة الأميركيّة وبدعم من الدّول العربية والأوروبيّة الصّديقة، تهدف إلى إنهاء الحرب والانتقال نحو مرحلة جديدة». وإذ أشار إلى انّ «العالم يرى اليوم ما ينجزه الجيش رغم محدوديّة موارده»، وانّ ما «يحقّقه اليوم بالقليل، يستطيع أن يحقّق أضعافه إذا توفّرت له الإمكانات اللّازمة»، قال: «من أصدقائنا وشركائنا نطلب موقفاً واضحاً: المساعدة على تنفيذ ما تمّ الاتّفاق عليه كاملاً، والتّعامل مع سيادة لبنان وسلامة أراضيه كمبدأ ثابت لا يخضع للانتقائيّة. وإذ نطالب بهذا الموقف، اليوم، يتسع دور الجيش وتزداد أهميّة المهام الملقاة على عاتقه على امتداد الأراضي اللّبنانيّة، وبشكل خاصّ في الجنوب. اتخذ اللبنانيون قرارهم. اختاروا الدّولة، واختاروا مؤسّساتها، واختاروا أن تكون حماية لبنان وسيادته واستقراره مسؤوليّة مؤسّسات الدّولة العسكريّة والأمنية دون سواها. ولم نكتفِ بالكلام، بل بدأنا بالفعل باتخاذ القرارات الصّعبة وتنفيذها على الأرض. واليوم، نطالب أصدقاءنا وشركاءنا بمواكبة هذا الخيار. فما نطلبه منكم ليس دعماً لمؤسسة فحسب، بل استثماراً في نجاح الدّولة اللّبنانيّة وفي استقرار المنطقة. فكما أنّ نجاح لبنان لن تبقى نتائجه داخل حدوده، فإنّ تداعيات سقوطه أيضاً لن تبقى داخل حدوده. إذا لم ننجح معاً في اغتنام هذه الفرصة اليوم، قد لا تتاح لنا الفرصة نفسها غداً. هذه لحظة قرار، لا لحظة انتظار».
الرئاسة الفرنسية
وبعد انتهاء الاجتماع أصدرت الرئاسة الفرنسية البيان الآتي: «استقبل الرئيس إيمانويل ماكرون، اليوم (أمس) في باريس، الملك عبد الله الثاني ملك الأردن وجوزاف عون رئيس الجمهورية اللبنانية. وبحث القادة الثلاثة في تعزيز سيادة لبنان وأمنه، وهما عنصران أساسيان لاستقرار المنطقة بأسرها. كما افتتحوا معاً اجتماعاً لخبراء عسكريين رفيعي المستوى في إطار «مسار العقبة»، يهدف إلى دعم القوات المسلحة اللبنانية، التي تشكّل ركيزة سيادة البلاد والأداة الأساسية لتمكين الدولة من ضمان أمن أراضيها بشكل كامل وممارسة احتكارها الحصري للسلاح.
وقد أجرى الرئيس ماكرون أولاً محادثات مع الرئيس عون، حيث كرّر له تأكيد التزام فرنسا الدائم إلى جانب الشعب اللبناني. بعد ذلك، ناقش مع الملك عبد الله دعم فرنسا لأمن الأردن واستقراره، فضلاً عن العمل المشترك بين البلدين استجابةً للأزمات الإقليمية».
وفي السياق، كتب ماكرون على منصة «إكس»: «انّ العاصمة الفرنسية اليوم هي ملتقى لشركائنا الدوليين بهدف تعزيز سيادة لبنان، وتمكينه من بسط سيطرته الأمنية الكاملة على أراضيه. يمثل السلام في لبنان إحياءً للأمل في الشرق الأوسط بأكمله، كما أنّ لبنان المتمتع بالسيادة والمستقر، هو خطوة حاسمة نحو إرساء السلام والاستقرار في المنطقة جمعاء. وفي هذا السياق، نؤكّد - بالتعاون مع الرئيس اللبناني وعاهل الأردن، وبالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وشركائنا الدوليين - دعمنا المطلق للقوات المسلحة اللبنانية، كونها الركيزة الحتمية لفرض سلطة الدولة على كامل ترابها الوطني».
لقاء ثلاثي
وقبيل افتتاح الاجتماع عُقد لقاء ثلاثي ضمّ عون وماكرون والملك عبدالله الثاني، ركّز على آليات رفع مستوى التعاون والتنسيق في المجالات ذات الاهتمام المشترك. كما تناول البحث أهمية استضافة فرنسا للجولة الجديدة من مبادرة «اجتماعات العقبة»، والتي تبحث سبل دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
وكان عون وماكرون التقيا قبيل الاجتماع، وبحثا في «الجهود المبذولة من أجل وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية في ضوء المفاوضات اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية وصيغة الإطار». وأثنى عون على المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي مع رئيسة حكومة إيطاليا من أجل مرحلة ما بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل». وتمّ الاتفاق على متابعة التواصل وتعزيز سبل التعاون، ولا سيما في المجال الاقتصادي والطاقة واستئناف التنقيب عن النفط والغاز في البلوكات اللبنانية. وقبيل مغادرته باريس عائداً إلى لبنان، عبّر عون عن ارتياحه العميق لسير المداولات التي شهدها الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني.
عيسى
وكرّر السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي حضر الاجتماع الباريسي، تأكيد التزام بلاده بدعم سيادة لبنان وتعزيز قدرات مؤسساته العسكرية والأمنية، مشدّداً على أهمية تنسيق المساعدات الدولية الموجّهة إلى الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وأوضح أنّه شارك في المؤتمر الذي استضافته المملكة الأردنية بالتعاون مع الحكومة الفرنسية، والذي خُصّص للبحث في سبل دعم المؤسسات الأمنية اللبنانية وتعزيز جهوزيتها وتطوير قدراتها على المدى الطويل. وأشار إلى أنّ المؤتمر أتاح جمع مختلف الشركاء المعنيين وتبادل الأفكار بشأن آليات تنسيق المساعدات المقدّمة إلى الجيش وقوى الأمن، بما يمكّنهما من الاضطلاع بمهماتهما وتعزيز الاستقرار في لبنان. وختم: «لا نزال ملتزمين دعم سيادة لبنان والعمل مع شركائنا للدفع قدماً نحو نجاح اتفاق الإطار الثلاثي».
الحكومة المنتصرة
في غضون ذلك، قالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إنّ الحكومة الخارجة منتصرة من معركة الثقة النيابية الجديدة، تحاول تفعيل دورها في الجنوب على خطوط عدة: تكريس دور الجيش والمؤسسات الأمنية والإدارية في مدن الجنوب وقراه، التي لم يتوغل فيها الإسرائيليون حتى الآن، السعي لدى واشنطن لكبح جماح التمدّد الإسرائيلي، البحث عن صيغ لدعم الجيش لوجستياً من خلال مؤتمر باريس، وإيجاد خيارات بديلة لقوات «اليونيفيل» التي باتت على وشك الخروج من الجنوب. لكن مساعي لبنان تصطدم بإصرار تل أبيب على توجيه إشارات ميدانية وسياسية معاكسة، ومفادها: سنمضي في عملياتنا، وفي فرض واقع توسعي في الجنوب، إذا لم ينجح الجيش اللبناني في نزع سلاح «حزب الله». وآخر هذه الإشارات جاءت أمس على لسان بنيامين نتنياهو: «سنتعامل مع حزب الله حتى إسقاطه».
وتسجّل المصادر، من خلال المواقف والسلوكيات الإسرائيلية، اتجاهاً متصاعداً نحو تثبيت واقع ميداني توسعي ينتهك مفاهيم الانسحاب والتهدئة. فتل أبيب تعمل على استغلال الفجوة الزمنية الفاصلة عن الاستحقاقات السياسية، ولا سيما منها جلسة المفاوضات الثامنة الشهر المقبل، لتقويض فرص التهدئة، وفرض حزام أمني متدرج، بهدف دفع المفاوض اللبناني كي يخضع للشروط الإسرائيلية على الطاولة.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا