العربي الجديد: مسار تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية جنوبي لبنان والتركيز على النبطية

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Sep 18 26|07:25AM :نشر بتاريخ

 يشهد الجنوب اللبناني تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً، خصوصاً في قضاء النبطية، حيث ارتكب الاحتلال مجازر متنقّلة، ودمّر مستشفى بالكامل، ونفذ اعتداءات على مؤسسات رسمية ومبانٍ سكنية، مُجدِّداً إنذارات الإخلاء للمدنيين، مع توسيع عملياته إلى مدن وبلدات بمحاذاة أو خارج ما يسمّيه "الخط الأصفر"، وذلك رغم التسريبات الإسرائيلية عن خطة للانسحاب من معظم الأراضي المحتلة، والبقاء ضمن خطّ جديد يعرَف بـ"الخط الرمادي" على امتداد مسافة أربعة كيلومترات. وعلى الرغم من توقيع لبنان وإسرائيل اتفاق إطار في واشنطن في 26 يونيو/ حزيران الماضي، إلا أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف يوماً، لكن بوتيرة مختلفة ومتفاوتة، مع تصعيد كان يترافق مع جولات التفاوض التي تُعقَد، منها التي عقدت لثلاثة أيام في روما بين الرابع من شهر أغسطس/ آب الماضي والسادس منه، وذلك في إطار سياسة الاحتلال المتعمّدة لفرض شروطه بالنار على طاولة المباحثات، ويترافق أيضاً مع تطورات الملف الإيراني الأميركي.

وتيرة تصاعدية للاعتداءات

وبدأ المسار التصاعدي للعمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة شبه يومية منذ شهر أغسطس الماضي، بالتزامن مع الحديث عن معركة تلّة علي الطاهر في قضاء النبطية، ورفض إسرائيل الاتفاق على منطقة تجريبية ثانية، بعد ادعائها فشل المنطقة التجريبية الأولى التي أعلنت واشنطن عنها في 20 يوليو/ تموز الماضي، وضمّت زوطر الغربية وفرون وصريفا، وتأكيد بقائها بالمنطقة الأمنية ومواصلة اعتداءاتها حتى نزع سلاح حزب الله، علماً أن هذه المعادلة حازت على ضوء أخضر أميركي، مع ربط المسؤولين الأميركيين في أكثر من مناسبة استمرار العمليات الإسرائيلية بعدم حصر الدولة اللبنانية السلاح. وصعّدت إسرائيل منذ أغسطس الماضي عملياتها خارج ما تسمّيه الخط الأصفر (خط عازل وفاصل أطلقته إسرائيل ويضم عشرات القرى والبلدات التي تسيطر عليها)، أو بمحاذاته، حيث وجهت انذاراً بالإخلاء إلى سكان بلدة المنصوري في قضاء صور، في الخامس من أغسطس الماضي، التي كانت غير محتلة ومأهولة بالسكان، وقد شمل الإخلاء مركز الجيش اللبناني. وتتعرض بلدة المنصوري لاعتداءات يومية، ما يمنع عودة الأهالي إليها.

كما كثفت إسرئيل غاراتها على أطراف بلدات كفرا، وشقرا، وتولين وبرعشيت وزبدين لجهة الوادي، وياطر، وحاريص، والحنية، والغندورية - فرون لناحية الأطراف المتصلة بوادي الحجير، وبيت ياحون، وأطراف النبطية وكفررمان وزوطر الشرقية، وعربصاليم، وغيرها، إضافة لاستهدافات طاولت في أوقات سابقة البرج الشمالي، ودير الزهراني وتبنين، ومدينة النبطية، وطاولت للمرة الأولى منذ اتفاق الإطار ليل الجمعة الماضي منطقة عين التينة في البقاع الغربي. وأسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط العديد من الشهداء. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية، أمس الاثنين، سقوط 27 شهيداً و69 جريحاً، بينهم أطفال ونساء ومسعفون، بحصيلة غير نهائية لاعتداءات العدو الإسرائيلي في الأيام الثلاثة الماضية. وارتفعت حصيلة الشهداء في المنزل المستهدف بكفررمان، فجر أمس الاثنين، إلى 11 بعد استشهاد ثلاثة من الجرحى، هما طفل وامرأتان. وباتت الحصيلة كالتالي: 11 شهيداً في المنزل المستهدف، بينهم طفلان وأربع نساء، وثمانية جرحى، بينهم ثلاثة أطفال ومسعف في الهيئة الصحية الإسلامية (التابعة لحزب الله). وكانت غارة على سيارة في البلدة نفسها قد أدت إلى استشهاد مسعف في كشافة الرسالة (التابعة لحركة أمل بقيادة رئيس البرلمان نبيه بري)، وجرح مسعفين اثنين.

والأحد أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية عن سقوط 11 شهيداً و26 جريحاً في حصيلة نهائية، وهي كالتالي: عربصاليم شهيدتان وستة جرحى، بينهم طفلتان، كفررمان: أربع جريحات، النبطية الفوقا موقف فخر الدين: شهيدان وخمسة جرحى، النبطية حي الراهبات: ثمانية جرحى، بينهم طفلة وامرأتان، النبطية التحتا: جريحان، أحدهما طفل، النبطية الفوقا: سبعة شهداء وجريح. أما السبت الماضي، فقد سقط جريح في زوطر الغربية. وفي ما خصّ حصيلة الجمعة – السبت، فقد سقط أربعة شهداء و32 جريحاً: النبطية: شهيد وثلاثة جرحى، بينهم امرأة، كفررمان قضاء النبطية: شهيدان، ميفدون قضاء النبطية: شهيدة وتسعة جرحى، بينهم ثلاث نساء وطفلان، النبطية الفوقا: جريحان، الكفور قضاء النبطية: جريح، الرمادية قضاء صور: 16 جريحاً، بينهم ثلاثة أطفال وأربع نساء وستة مسعفين، عين التينة البقاع الغربي: جريح.

وبذلك تستكمل إسرائيل توسِعة تدميرها للقرى الجنوبية، تحديداً على مستوى قضاء النبطية، علماً أن المدينة نفسها والتي يتمركز فيها ثقل اقتصادي وإداري رسمي، باتت مدمّرة بجزء كبير منها، سواء أسواقها التجارية، أو التراثية، أو مدارسها ودوائرها الرسمية ومقارها المصرفية والصحية وغيرها من المعالم والأحياء السكنية. وبالتزامن مع التصعيد الذي ارتفع منسوبه أيضاً بعد إعلان إسرائيل، الخميس الماضي، السيطرة العملياتية على تلّة علي الطاهر، برزت إشارة هيئة البث الإسرائيلية "كان 11"، مساء السبت، إلى أن جيش الاحتلال يستعدّ لتقليص قواته في جنوب لبنان، بعد تدمير أنفاق في منطقة علي الطاهر في قضاء النبطية. ونقلت القناة عن مسؤولين أمنيين قولهم إن المؤسسة العسكرية أجرت أخيراً مناقشات حول إنشاء منطقة أمنية جديدة، أقرب إلى الحدود الإسرائيلية، تُعرف بـ"الخط الرمادي"، حيث سيجري بناء ما قالت إنها "مواقع دفاعية لحماية المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود" مع لبنان.

وبعكس تسارع وتيرة التطورات الميدانية، لا يزال الحراك الدبلوماسي السياسي يشهد تباطؤاً، مع ضبابية مستمرّة حول مصير الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة في روما، وسط جهود أميركية تُبذَل لعقدها هذا الشهر، علماً أنها حتى الساعة لم تترجم بأي إعلان عن موعد جديد للمباحثات.

في هذا الإطار، تقول مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد" إن "لبنان يكثف اتصالاته الخارجية، خاصة مع الولايات المتحدة، من أجل وقف الخروقات الإسرائيلية وسط مخاوف من استمرار التصعيد العسكري، وحراك واشنطن مستمرّ لعقد جولة جديدة من المفاوضات"، لافتة إلى أن "لبنان يعوّل أيضاً على تمسّك الولايات المتحدة بالمسار التفاوضي، وهي كانت قد لعبت دوراً أساسياً بدفع إسرائيل إلى طاولة التفاوض، بعدما لم تكن متحمّسة لذلك، ولا تزال تضع أساساً العراقيل أمام المسار". وتشير المصادر إلى أنه "رغم التسريبات الإسرائيلية عن انسحاب من بعض المناطق في جنوب لبنان هناك خشية من مخطط إسرائيلي للبقاء طويلاً وجعل بعض المناطق غير قابلة للحياة".

ولا تنفي المصادر وجود انقسامات داخلية حول كيفية إدارة ملف التفاوض مع إسرائيل، وقد وصلت إلى أعضاء الوفد اللبناني المفاوض الذي يعترض رئيسه السفير السابق سيمون كرم على الممارسات الإسرائيلية، وبدأ يشكك بجدوى استمرار المفاوضات بلا خطوات إسرائيلية جدية، لكنها تؤكد في المقابل أن هناك التقاء على ألا خيار أمام لبنان سوى التفاوض، لا الحرب ولا الخيار العسكري.

وفي قراءة لهذه التطورات، يقول رئيس الوفد اللبناني السابق في ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، العميد المتقاعد في الجيش اللبناني بسام ياسين، لـ"العربي الجديد"، إن "التصعيد كان معروفاً ومفهوماً، لأنه بالأصل الضوء الأحمر الأميركي الذي كان قد أعطيَ لإسرائيل لعدم توسعة عملياتها من حوالي الشهرين، نتيجة الخوف من تأثيرها على المفاوضات الأميركية الإيرانية، بدأ يُرفَع، ونلاحظ منذ أسبوعين حتى الآن أن هناك توسيعاً للضربات بمحيط الخط الأصفر وخارجه، وخاصة في اليومين الماضيين، شمل مناطق بعيدة عنه، مثل كفررمان، وعربصاليم ودير الزهراني، وغيرها".

ويردف ياسين "هذا الضوء الأحمر بدأ يصبح ضوءاً أصفر، وقد يأتي الضوء الأخضر إذا تأكّد أن لا مجال للتسوية مع الإيرانيين، فعندها الإسرائيلي سيأخذ على عاتقه عملية تدمير حزب الله ونزع سلاحه بطريقة شاملة، وهذا التصعيد سيكبر في المرحلة المقبلة، ويزداد ليمتدّ في المنطقة المحتلة وخارجها، ليصل إلى بلدة سُجد ومرتفعات جبل الريحان بقضاء جزين"، لافتاً إلى أن هذا هو المخطط الإسرائيلي بالأساس. من هنا، فإن الأجواء تشير إلى تصعيد وليس تسوية. ويشير ياسين إلى أن "كل المؤسسات الكبرى الموجودة بالمناطق المحاذية للخط الأصفر أو ضمنها يتم تدميرها بشكل منهجي ومتعمّد، من مراكز صحية ومرافق طبية ورسمية، إلى جانب القصور والفيلات، وكلّه بهدف التأثير على بيئة المقاومة (حزب الله) والضغط الداخلي عليها حتى يمرّ المشروع الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله وإبقاء الاحتلال بالجنوب". ويلفت ياسين إلى أن "السيطرة على تلّة علي الطاهر أساس لحماية الوجود الإسرائيلي في قلعة الشقيف، وهو امتداد للتوجه نحو سُجد – الريحان والسيطرة على مرتفعات إقليم التفاح، جبل الرفيع، وصولاً حتى إلى الخط المتّصل بالبقاع الغربي".

إسرائيل تسعى لنقل المعركة إلى داخل لبنان

كذلك، يعتبر ياسين أن الخط الرمادي هو المنطقة الاقتصادية – الصناعية التي طرحها المبعوث الأميركي توم برّاك، وتمتدّ بعمق ما بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، وهي تغطية للمنطقة الأمنية المنزوعة السلاح والخالية من السكان، مشيراً إلى أن الإسرائيلي يحاول أن يقول إنه سيعود إلى المنطقة الرمادية شرط نزع سلاح حزب الله، لكن من سينزع السلاح؟ الدولة اللبنانية لا قدرة لها على ذلك، وإسرائيل ليست قادرة الآن على فعل ذلك أيضاً، لافتاً إلى أن إسرائيل تريد أن تبقى في الجنوب وأن تنتقل من معركة إسرائيلية لبنانية إلى معركة داخل لبنان حول موضوع سلاح حزب الله، وللأسف أغلب اللبنانيين يسيرون بهذه البروباغندا.

من جانبه، يقول الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية علي حمية لـ"العربي الجديد"، إن "ضربات إسرائيل في محيط تلّة علي الطاهر، وعلى مستوى قضاء النبطية، سواء تلّة الدبشة، أو دوحة كفررمان، والنبطية الفوقا، واستهداف مدنيين ومؤسسات رسمية ومستشفيات في مدينة النبطية الرئيسية وأطرافها، يثبت أن التلّة لم تسقط، وأن الإسرائيلي لا يعرف ماذا يحصل في داخلها، ولا عن منشآتها العسكرية أو قدرات حزب الله فيها، بعكس المجاهد الذي وحده يعرف ماذا يجري بداخلها"، لافتاً إلى أن حزب الله حتى الساعة لم يعلّق على الموضوع أو يتحدّث حول ما حصل في التلّة أو يحصل، ما جعل الموضوع أكثر غموضاً. ويشير حمية إلى أن خطاب إسرائيل يندرج في إطار الإعلان عن سيطرة عملياتية على التلّة، وهذا إعلان حصار لا احتلال، من هنا نرى استمرار ضرباته عليها، إضافة إلى أن الإسرائيلي لم يثبت أن علي الطاهر سقطت، ولم يدخل مصوّرين إلى داخلها، كما فعل مثلاً على صعيد قلعة الشقيف.
 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : العربي الجديد