نقابة خبراء المحاسبة المجازين: قانون الضريبة الموحدة هو الحل للمساواة الاجتماعية

الرئيسية اقتصاد / Ecco Watan

الكاتب : المحرر الاقتصادي
Sep 24 26|16:54PM :نشر بتاريخ

عقدت نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان جلسة حوارية بعنوان "الموازنة العامة 2027 تحت المجهر" في مركز النقابة - المتحف، بمشاركة النقيب إيلي عبود ومشاركة النائب غادة أيوب عضو لجنة المال والموازنة، أمين عام الهيئات الاقتصادية نقولا شماس، رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، البروفسور فؤاد زمكحل، وأدار الجلسة الإعلامي بسام أبو زيد.

وكانت النقابة قد رفعت قبل الجلسة بـ 7 أيام كتابها الرسمي رقم 709/2026 إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء متضمناً ملاحظاتها واقتراحاتها على مشروع قانون موازنة 2027، للسنة الثالثة على التوالي.

الخلل البنيوي: موازنة بلا إطار محاسبي حديث

في مستهل كتابها، أكدت النقابة أن المشكلة الأخطر ليست في تعديل ضريبي هنا أو هناك، بل في الإطار المحاسبي نفسه. فالموازنة لا تزال محكومة بنظام المحاسبة العمومية القائم على الأساس النقدي المعدّل Modified Cash Basis)  ) بموجب المرسوم 14969 تاريخ 30/12/1963، وهو نظام يقيس التدفق النقدي فقط ولا يُظهر المركز المالي الحقيقي للدولة.

وقالت النقابة: الموازنة تبقى وثيقة إجازة إنفاق، لا تتضمن بياناً بالمركز المالي، لا تُظهر الأصول التي تملكها الدولة، ولا الالتزامات طويلة الأجل، ولا الذمم المدينة المستحقة لها.

وتتجلى الآثار السلبية في 3 نقاط:

أولا، صفر عجز وهمي: التوازن المعلن بين واردات ونفقات هو توازن نقدي مجاز، لا يشمل التزامات الدولة تجاه موظفيها (تعويضات نهاية خدمة ومعاشات تقاعدية)، ولا التزاماتها تجاه الموردين، ولا الكفالات والالتزامات المحتملة Contingent Liabilities والسلف.

ثانيا، نفقات استثمارية تستهلك ولا تُسجّل: النفقات الاستثمارية البالغة 66,633 مليار ليرة تُقيّد نفقة تُستهلك خلال سنة دون أن تُسجّل كأصول في سجل موحّد للأصول العامة، حيث لا تخضع للاستهلاك ولا يُقدّر كلفة صيانتها، فتفقد الدولة معرفتها بما تملك وكلفة الحفاظ عليه.

ثالثا،   مساءلة ناقصة: من دون نظام محاسبي قادر على إنتاج بيانات موثوقة، تبقى دورة المساءلة المالية ناقصة ويبقى حساب الموازنة يُقر سنة بعد سنة دون حساب ختامي يقيس ما نُفّذ فعلاً.

وطالبت النقابة بخطوات عملية بدأتها منذ مؤتمرها في تموز 2025 بالشراكة مع الهيئات الاقتصادية وبالتعاون مع مجلس معايير المحاسبة الدولية للقطاع العام   IPSASB : تضمين الأسباب الموجبة لمشروع موازنة 2027 التزاماً صريحاً بإطلاق مسار الانتقال إلى معايير IPSAS وفق جدول زمني معلن.

* رصد اعتماد مخصّص في موازنة وزارة المالية لمشروع التحوّل يغطي تحليل الفجوات وتصميم مخطط الحسابات ونظام المعلومات ERP وبرامج التدريب وإعداد الميزانية الافتتاحية.

* تشكيل لجنة وطنية مشتركة بقرار من وزير المالية تضم الوزارة والنقابة وديوان المحاسبة والهيئات الاقتصادية وعدداً من الجامعات لوضع خطة العمل التفصيلية.

* إحالة مشروع قانون مستقل لتعديل قانون المحاسبة العمومية يرسّي الأساس القانوني للانتقال التدريجي من الأساس النقدي المعدّل إلى أساس الاستحقاق.

أولاً: بنية الإيرادات - الجباية لا تعني الإصلاح

يقدّر مشروع موازنة 2027 إجمالي الواردات والنفقات بمبلغ 614,945 مليار ليرة (نحو 6.9 مليار دولار) بنسبة عجز صفر معلنة.

وسجّلت النقابة إيجاباً الجهد المبذول لإبقاء الإنفاق ضمن حدود الإيرادات المتوقعة، لكنها حذّرت أن قراءة بنية الإيرادات تُظهر أن الرهان الأساسي ليس على استحداث ضريبة عامة جديدة بل على توسيع الالتزام وتشديد التحصيل وربط المعلومات.

وتابعت: هذا توجّه مفهوم مالياً، إلا أن تحسين الجباية لا يعني بالضرورة إصلاح النظام الضريبي، ولا يعالج الخلل البنيوي في توزيع العبء بين الاستهلاك والمعاملات من جهة، وبين الدخل والأرباح الفعلية من جهة أخرى، حيث يبقى الموظف والمستهلك والمكلف المسجّل الأكثر انكشافاً أمام الإدارة الضريبية.

وهنا اقترحت النقابة: إرفاق مشروع الموازنة بدراسة أثر ضريبي Tax Impact Assessment تبيّن التوزيع المقدّر للعبء الضريبي الإضافي بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة وبين شرائح المكلفين.

ثانياً: الإنفاق الاستثماري وكلفة الموظفين

تبلغ كلفة الموظفين في المشروع نحو 353,791 مليار ليرة أي 57.5% من إجمالي النفقات، فيما لا تتجاوز النفقات الاستثمارية 66,633 مليار ليرة أي 10.8% من الإجمالي.

واعتبرت النقابة أن هذا التوزيع لا يمكن أن يبني دولة بعد سنوات من عدم الاستقرار والعدوان.

 وقالت: "الموازنة المتوازنة لا تصبح موازنة تنموية إلا إذا تركت حيّزاً كافياً للإنفاق الذي يرفع إنتاجية الاقتصاد ويخفّض كلفة الإنتاج ويحفّز عودة القطاع الخاص إلى الاستثمار".

ومقاربة النقابة هذه، اكدها المتحدثون في الندوة، حيث قال البروفسور زمكحل: "أكثر من 80% رواتب، أي شركة تستمر بـ75% رواتب؟"  كما قال شماس إن الموازنة تدفع نحو انفجار اجتماعي لأنها تفرض رسوماً على شعب منكوب منذ 2019.

 في المقابل كانت النقابة قد اقترحت اعتماد نسبة دنيا للإنفاق الاستثماري ضمن الإطار المالي متوسط المدى، مع آلية واضحة لرفع القدرة الاستيعابية للإدارات على إعداد المشاريع وتنفيذها.

ثالثاً: صفر العجز - اختبار صمود هش

حذّرت النقابة من هشاشة رقم "صفر عجز"، فبمسألة حسابية بسيطة، يظهر ان تراجع التحصيل بنسبة 5% فقط مع بقاء الإنفاق ثابتاً، يولّد فجوة تقارب 30,747 مليار ليرة (نحو 343 مليون دولار)، ترتفع إلى نحو 61,495 مليار ليرة (نحو 687 مليون دولار) إذا بلغ التراجع 10%.

وقالت: هذا يقتضي التمييز بين التوازن المحاسبي والصحة المالية، فصفر العجز في الموازنة لا يعني أن كل الالتزامات النقدية للدولة قد عولجت، ولا أن الخزينة بمنأى عن الضغوط خلال السنة.

وتقترح النقابة في هذا المجال،  إرفاق المشروع بجدول تدفقات نقدية مقدّرة للخزينة، وكشف الالتزامات والمتأخرات والسلف والتمويلات القائمة، مع سيناريوهات بديلة للإيرادات ونشر تقارير تنفيذ فصلية ضمن مهلة محددة.

رابعاً: مكافحة التهرّب - الفوترة الإلكترونية والبلوكتشين

ذكّرت النقابة بمقترحاتها في موازنة 2026 لتوسيع القاعدة الضريبية وتعزيز الامتثال والحد من التهرّب الضريبي والجمركي.

كما اوصت النقابة بإنشاء منصة إلكترونية متكاملة لإدارة وتتبع عمليات الاستيراد تعتمد على تقنية البلوكتشين Blockchain أو أي تقنية رقمية توفّر الأمان والشفافية وقابلية التتبع، لتوثيق كل العمليات المرتبطة بشراء السلع من الموردين في الخارج حتى وصولها إلى لبنان. وتقوم الفكرة على منظومة رقمية مترابطة تجمع الجهات الأساسية: وزارة المالية، إدارة الجمارك، المصارف، المؤسسات المالية، الشركات المستوردة والموردين الأجانب، بما يتيح مطابقة المعلومات المتعلقة بالفواتير والتحويلات المالية والتصاريح الجمركية وقيم البضائع وكمياتها ومصدرها ووجهتها ضمن قاعدة بيانات موحّدة قابلة للتدقيق.وهذا الملف تحديداً هو ما شرحه النقيب عبود في الندوة عندما قال إن "حسابات الدولة خاطئة، وهناك إيرادات مسروقة من الخزينة يجب وقفها".

من جهتها أكدت النائب غادة أيوب أن الموازنة المقترحة غير شفافة وفيها توازن رقمي وليس فعلياً. وقالت: "هذه الموازنة لا تصلح للمالية العامة ولا تعطينا أملاً بأن النهج قد تغير، فالإنفاق الاستثماري لا يتجاوز 10%". وكشفت عن نقطة خطيرة تتمثل بإلغاء كل قوانين البرامج واعتماداتها وتأجيل دفعها، ما يعني عدم وجود أي استثمار فعلي.

شماس: غياب كامل للرؤية

من جهته، أكد نقولا شماس وجود تقاطع كبير في طريقة التفكير بين الهيئات والنقابة، مشيراً إلى "أن الهيئات عملت في السنوات السبع الأخيرة بقدر ما عملت في سبعين سنة". واعتبر"أن الموازنة الحالية تشهد غياباً كاملاً للرؤية وهي ليست على مستوى المسؤولية في ظل سعي لبنان للخروج من أزماته".

أما زمكحل فقال: "أكثر من 80% من الموازنة يذهب رواتب وتعويضات، وأي شركة في العالم لا يمكن أن تستمر إذا كان 75% من مصاريفها رواتب. هدف الموازنة كاستراتيجية هو استقطاب الاستثمارات وخلق الوظائف، فهل هذه موازنة دولة تريد أن تخلق وظائف؟".

وحذر من أننا "متجهون إلى انفجار اجتماعي ليس بسيطاً، فيه جوع وسرقة وقتل، وسيكون له محرك ومن سيستفيد منه"، محملاً المسؤولية للورقة التي لقبت بالموازنة المقترحة.

وأكد "أن البديل الأول هو أن تأتي موارد الموازنة من الاستثمارات وليس من الضرائب التي تفرض على شعب منكوب ومنهوب منذ 2019.

وشدد النقيب إيلي عبود على "أن الموازنة ليست ورقة حسابية بل هي رؤية واستراتيجية وخطة"، معتبراً "أن الورقة المقدمة لا تشبه الرؤية أبداً وإذا اعتبرت رؤية فهي كارثة ستدفع أي مستثمر لإغلاق استثماراته والهرب".

كما عرض عبود تجربة النقابة منذ عام 2014 في تطبيق معايير المحاسبة الدولية للقطاع العام، مشيراً إلى "أن حسابات الدولة اليوم هي مجرد وثيقة "كاش إن" و"كاش أوت" لا تمثل التزاماتها ولا أصولها". 

ودعا إلى "جرد أصول الدولة اللبنانية المنتجة وغير المنتجة وتطبيق مبدأ الاستحقاق والذمم المدينة لتحقيق الشفافية على غرار السعودية والأردن".

وأشار إلى "أن النقابة أرسلت ملاحظاتها الشاملة والقابلة للتطبيق إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء للسنة الثالثة على التوالي، وهي ملاحظات علمية وتقنية تهدف لمنع التهرب الضريبي وتحفيز التحصيل الضريبي.

بدوره، اعتبر رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر أن الموازنة هي موازنة تشغيلية وموازنة رواتب بامتياز، حيث تصل الرواتب إلى 55% وقد تصل إلى 60% مع الزيادات. وقال إن المواد الضريبية تؤثر مباشرة على أصحاب الدخل المحدود الذين يمثلون حوالي مليون عامل ومتقاعد في القطاعين العام والخاص وضرائبهم مقتطعة ومعروفة. 

وأضاف:" أن الموازنة مشابهة 100% لموازنات 2024 و2025 و2026 والفارق الوحيد هو مضاعفة المواد الضريبية، في وقت نعيش حرباً بكل معنى الكلمة. وانتقد عدم أخذ وزارة المالية برأي الهيئات الاقتصادية ونقابة المحاسبة والاتحاد العمالي رغم رفع الملاحظات التي قدمت".

وختمت الندوة بالتأكيد على أن قانون الضريبة الموحدة هو الحل لتحقيق المساواة الاجتماعية والعدالة الضريبية عبر وعاء ضريبي واحد وضريبة تصاعدية، شرط وجود مسح ضريبي وفاتورة إلكترونية.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan