الأخبار: اللقاء الوطني الثاني: محاولة لكسر معادلة الاصطفاف الطائفي
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Oct 20 26|06:45AM :نشر بتاريخ
لم يكن اللقاء الوطني الثاني، الذي انعقد في فندق «لو غراي» في بيروت أمس، مجرّد تكرار للمحطة الأولى. فحضور نحو 300 شخصية، من ممثلي أحزاب وتيارات سياسية وناشطين وإعلاميين، إلى جانب الكلمات التي ألقاها ممثلو قوى واتجاهات مختلفة، عكس محاولة لتثبيت مسار سياسي يتجاوز المبادرة الظرفية نحو بلورة موقف وطني مشترك من التحولات التي تطاول لبنان وهويته وخياراته الاستراتيجية.
وتكمن أهمية اللقاء في أنه جاء استكمالاً للمحطة الأولى، بما يوحي بأن المنظمين لا يتعاملون مع المبادرة بوصفها ردّ فعل عابراً على تطورات سياسية أو ميدانية، بل مساراً يحتاج إلى متابعة وتوسيع قاعدة المشاركة وترسيخ مجموعة من الثوابت المشتركة. وإذا كان اللقاء الأول، الذي انعقد في نيسان الماضي، قد وضع الأسس السياسية لهذا التلاقي، فإن الثاني منح المبادرة حضوراً أوضح، سواء من حيث التنظيم أو حجم المشاركة أو تنوّع الحاضرين. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل يستطيع هذا التجمّع الانتقال من إعلان المواقف إلى التأثير في النقاش الوطني والمساهمة في بلورة خيارات سياسية بديلة؟
ولعلّ أبرز ما ميّز اللقاء تنوّع خلفيات المشاركين الطائفية والسياسية، بما في ذلك شخصيات تنتمي إلى قوى وبيئات تختلف في بعض مقارباتها الداخلية مع حزب الله، مثل الجماعة الإسلامية والطاشناق، فضلاً عن حضور درزي وسنّي ومسيحي من مناطق لبنانية مختلفة. وهذا التنوع يتجاوز البعد التمثيلي، ليحمل دلالة سياسية تتصل بطبيعة الرسالة التي أراد اللقاء إيصالها: أن الموقف من العدوان الإسرائيلي ومستقبل لبنان لا ينبغي أن يُختزل في حدود طائفة أو جماعة سياسية، وأن المقاومة، في نظر المشاركين، ليست شأناً محصوراً ببيئة بعينها. كما أن حضور شخصيات من خارج البيئة السياسية المباشرة لحزب الله يقدّم صورة مغايرة لمحاولات حصر الاعتراض على المسار الذي تتبعه السلطة في إطار فئوي أو تصويره بوصفه تعبيراً عن مصالح طائفة محددة.
وفي وقت يجري فيه الدفع نحو اختزال الصراع في لبنان إلى مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بما يتيح تقديم العدوان على أنه نزاع محصور بين طرفين، جاء اللقاء ليطرح مقاربة أوسع، ترى أن القضية تتصل بمستقبل الدولة وسيادتها وهويتها الوطنية، وبالخيارات التي يُراد فرضها عليها تحت ضغط الحرب والتهديدات والوقائع الميدانية، وبمحاولة إعادة تعريف الصراع على نحو يفصل الاعتداء الإسرائيلي عن سياقه، ويحوّل المقاومة إلى مشكلة داخلية، فيما يُدفع لبنان نحو ترتيبات تمسّ استقلال قراره الوطني وتفتح الباب أمام إخضاعه لشروط خارجية.
من هنا، لا يبدو تنوّع المشاركة تفصيلاً بروتوكولياً، بل جزءاً من الرسالة السياسية للقاء: رفض احتكار تمثيل الوطن، ورفض وضع اللبنانيين أمام معادلة تختزل الوقوف ضد العدوان الإسرائيلي أو الاعتراض على الإملاءات الخارجية في الاصطفاف حكماً خلف حزب أو طائفة. فثمة مساحة وطنية تسعى إلى توسيع قواسمها المشتركة، رغم اختلاف مكوّناتها، انطلاقاً من رفض تحويل الانقسام الداخلي إلى أداة لتغيير موقع لبنان وهويته وخياراته، أو استغلال الحرب لتصفية حسابات سياسية داخلية.
وقد عكست ثوابت التوصيات التي خرج بها اللقاء هذا التوجّه، عبر التشديد على استقلال لبنان وسيادته ووحدته، ورفض التنازل عن حقوقه الوطنية تحت وطأة العدوان، والتمسك بالمرجعيات الدستورية والاتفاقات الناظمة للحياة السياسية، وفي مقدّمها اتفاق الطائف. كذلك، رفض أي تفاهم أو تسوية تنتقص من الحقوق الوطنية أو تمنح الاحتلال الإسرائيلي مكاسب سياسية وأمنية لم يتمكن من فرضها بالقوة، وشدّدت على أولوية وقف العدوان وإنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي، باعتبارها حقوقاً وطنية ثابتة، لا أوراقاً قابلة للمساومة أو المقايضة.
ويكتسب التشديد على تطبيق اتفاق الطائف أهمية إضافية في هذا السياق، لأنه يضع النقاش ضمن إطار وطني ودستوري جامع، بدلاً من تركه رهينة محاولات إعادة صياغة التوازنات الداخلية وفق موازين القوى التي تنتجها الحرب.
وفي هذا الإطار، اكتسبت الكلمات التي ألقاها ممثلو الأحزاب والتيارات المشاركة أهمية خاصة، باعتبارها عكست تعدّد المنطلقات داخل اللقاء، مع تقاطعها عند مجموعة من الثوابت المرتبطة بالسيادة ورفض الاحتلال وحماية الوحدة الوطنية. وهذا التقاطع لا يلغي التباينات بين المشاركين، ولا يعني بالضرورة اتفاقهم على جميع الخيارات السياسية، لكنه يكشف عن محاولة لبناء أرضية مشتركة تتقدّم فيها القضايا الوطنية على الحسابات الضيقة. فالتحديات المطروحة، وفق ما عكسته مداخلات اللقاء، لا تترك مجالاً واسعاً لترك الساحة لمقاربة واحدة تختزل لبنان في انقساماته الطائفية، فيما قد تتجاوز تداعيات الحرب والضغوط الخارجية حدود أي فريق سياسي بمفرده.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا