نزيه خداج: شاهد الزمان وناسج الذاكرة اللبنانية
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Feb 02 26|02:07AM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الادب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق خداج في ايكو وطن:
في صمتِ الجبالِ وهديرِ المدنِ، وفي زحمةِ البشرِ وضجيجِ الأحداثِ، يطلّ نزيهُ خداج بوصفه حضورًا دافئًا في أرشيفِ الهويّةِ اللبنانية. لم يكن مجرّدَ موثّقٍ يدوّن الوقائعَ، بل قلبًا مشبعًا بالتجربةِ، وعقلًا يتأمّل الماضي، ويدًا تسعى إلى حفظِ ما قد يتعرّض للنسيان. هكذا حوَّل الماضي إلى حياةٍ معاشة، والوجودَ إلى مادّةٍ سرديّة، وجعل من الكتابةِ جسرًا نابضًا بين التذكّرِ والواقع.
لا يستقي نزيهُ خداج التاريخَ من بطونِ الكتبِ وحدها، بل يستحضره من صميمِ عيشِ الناس؛ من تفاصيلِ المدنِ والقرى، من روايات الجدّات، ومن ملامح الأطفالِ الذين يمرحون في شوارعِ كفرمتى وزحلة والنبطيّة وصور. صار الزمنُ عنده معلّمًا، واللقاءاتُ المعتادةُ دروسًا مفتوحة. عرف رائحةَ الحربِ، لامس دروبَ النضال، وراقب البشرَ وهم ينسجون حياتهم بصمت. وأدرك مبكرًا أنّ التاريخَ ليس جداولَ وأرقامًا جامدة، بل يسكن التفاصيلَ الصغيرة: في نظرةِ صديق، وأنينِ طفل، وخطى جنديّ، وهمسِ امرأة، وضحكاتٍ تمتزج بالوجع. من هذه القطع تكوَّن مخزونُه الحيّ، فكان شاهدًا مشاركًا، لا راويًا من بعيد، يعيد تشكيلَ الزمنِ بنَفَسه الخاص.
في هذا الإطار، لم يكن التعليمُ لديه مجرّدَ وظيفة، بل مسارًا إنسانيًّا تشاركيًّا، يتقاسم فيه المعلّمُ والتلميذُ أسئلةَ المعنى وخبراتِ الماضي. كلُّ صفٍّ درّسه تحوّل إلى فضاءٍ نابضٍ للتفكير، حيث يتجاور الأمسُ واليوم، وتُقرأ الممارسةُ المعتادةُ بوصفها تاريخًا مفتوحًا. لم يركن إلى التلقين، بل راهن على إيقاظِ الفضول، وتنميةِ حسِّ السؤالِ والملاحظة، وجعلِ المدرسةِ نقطةَ إشعاعٍ اجتماعيّ، تُنتج أجيالًا تعيد وصلَ التراثِ بوعيٍ نقديّ، لا بتكرارٍ آليّ.
أمّا في الحقلِ الأكاديميّ، فقد تبلورت هذه المقاربةُ بجلاء. إذ آمن خداج بأنّ صياغةَ التاريخِ لا تقتصر على القصورِ أو ساحاتِ المواجهة، بل تتشكّل في بيوتِ الناس، في أفراحِهم وأحزانِهم، في عقودِ الزواج وانكساراتِ الفراق، وفي طقوسٍ معيشيةٍ لا يلتقطها إلا من يصغي للجزئيّات. هذا الوعي قاده إلى التعمّق في الديموغرافيا والدراساتِ الاجتماعيّة، مسلّطًا الضوءَ على زوايا دقيقةٍ من حياةِ الطائفةِ التوحيديّة، فغدت أبحاثُه مراجعَ معتمدةً لدى الباحثين والمهتمّين.
وتعكس مؤلّفاته هذه الروحَ البحثيّةَ والإنسانيّةَ بوضوح. فكتابُ «كفرمتى: ذاكرةٌ وتاريخ» لم يكتفِ بسردِ الوقائع، بل أعاد بعثَ أصواتِ الآباءِ والأجداد، كاشفًا عن العاداتِ وأشكالِ المقاومةِ الثقافيّة، ليصبح مرجعًا للأجيال ومرآةً للخبرةِ الجمعيّة. وفي «رحلةِ الحصاد»، لا نجد يوميّاتٍ عابرة، بل تأمّلًا متواصلًا في معنى الوجود، ومحاولةً واعيةً لإعادة قراءةِ الزمن بما يربط الإنسانَ بسياقه. أمّا «المكرّمون»، فيتحوّل فيه الصوتُ الخافتُ إلى نداءٍ باقٍ، يخاطب الزمنَ: «انظر، لا يطال النسيانُ من بقيت له عينٌ ترى وقلبٌ يستذكر».
وفي كتابِ «لبنانُ والبرلمان»، يفتح خداج أفقًا واسعًا لفهمِ التاريخِ السياسيّ والاجتماعيّ للبنان، من القائمقاميّتَين إلى الاستقلال، مرورًا بالشخصيّاتِ والنوّابِ ورؤساءِ الحكومات، وصولًا إلى عهدِ الرئيسِ ميشال سليمان، مقدّمًا توثيقًا دقيقًا للتحوّلات، يتّسم بالرصانةِ والموضوعيّة.
ومن خلال «وجهِ الغربِ والشحّار»، يضيف بعدًا رمزيًّا إلى مشروعه. فالكتابُ ليس مجرّدَ تجميعٍ للأسماءِ والأحداث، بل شهادةٌ مكتوبةٌ على غنى هذه المنطقةِ وتنوّعِها السياسيّ والثقافيّ والفكريّ والأدبيّ. يبرز فيه البعدُ المقاوم، وتتكرّس فيه فكرةُ بقاءِ الكلمة رغم عنفِ الأزمنة، كما قال: «كان السيفُ والمنجنيقُ والبطشُ والدماءُ… كلُّها زالت وبقيت الكلمة». وقد لقي العملُ صدىً نقديًّا إيجابيًّا، واعتُبر مرجعًا لفهمِ المجتمعِ المحلّيّ وثقافتِه.
ويبقى نشاطُ نزيه خداج الاجتماعيّ والسياسيّ امتدادًا عضويًّا لقيمِه التربويّة والثقافيّة. من كفرمتى إلى بيروت، ومن مؤتمرِ كوبا عام 1970 إلى لقاءاتٍ دوليّةٍ لاحقة، واصل نقلَ المعرفة وتعزيزَ الوعي، مشدّدًا على تلازمِ التاريخِ مع الاجتماعِ الإنسانيّ. أسّس وأعاد تفعيلَ فروعٍ تربويّةٍ وحزبيّة، وأشرف على جمعيّاتٍ ثقافيّةٍ وخيريّة، وأسهم في إعدادِ أجيالٍ من القادةِ والمثقّفين. جمع بين التعليمِ والبحثِ والعملِ العام، من دون أن يفرّط بثوابتِه الإنسانيّةِ والتوحيديّة، فشكّل نموذجًا نادرًا للالتزامِ الفكريّ والأخلاقيّ.
وفي كلّ صفحةٍ يخطّها، وكلّ مدرسةٍ يعلّم فيها، وكلّ مبادرةٍ يطلقها أو يحييها، يبقى البعدُ الروحيّ حاضرًا، شاهدًا على أنّ الإرثَ لا يفنى. هكذا يظلّ نزيه خداج جزءًا أصيلًا من السردِ اللبنانيّ، دليلًا على أنّ الإنسانَ والتاريخَ وجهان لحكايةٍ واحدة، وأنّ الكلمةَ قادرةٌ على البقاء، حتّى في أكثرِ الأزمنةِ صخبًا.
بهذا المعنى، لا يدوّن نزيهُ خداج التاريخَ فحسب، بل يصونه من الغياب.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا