ليس كلُّ رحيلٍ موتًا
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
Feb 08 26|11:36AM :نشر بتاريخ
كتب الباحث في الادب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في ايكو وطن:
ليس كلُّ رحيلٍ موتًا، فثمّة أناس إذا غابوا حضروا أكثر، وإذا صمتوا ارتفع صوتهم في الذاكرة أعلى من أي خشبة خطاب. من هؤلاء الأمير الشاعر طارق آل ناصر الدين، الذي لم يكن مجرّد اسمٍ في سجلّ الشعر المنبري، بل حالة ثقافية لبنانية متكاملة، تداخل فيها الشعر بالسياسة، والزجل بالموقف، والكلمة بالقدر.
وُلد طارق آل ناصر الدين في الجبل، في كفرمتى/ قضاء عاليه. والجبل هنا ليس تفصيلًا جغرافيًا في سيرته، بل هو النبرة التي كتب بها، والإيقاع الذي تكلّم من خلاله، والصلابة التي واجه بها العواصف. لم يدخل الشعر من باب الزينة، بل من بوابة الوظيفة الأخلاقية للكلمة؛ كلمة تُقال حين يجب أن تُقال، وتُرفع حين يُراد لها أن تُخيف، وتُقال مرةً واحدة كي لا تُستهلَك.
عرفه اللبنانيون شاعرًا منبريًا بامتياز، لكن منبره لم يكن خشبة خطاب، بل ساحة مواجهة. كان يعرف أن الشعر في هذا البلد إمّا أن يكون شاهدًا أو شاهد زور، فاختار أن يكون الشاهد الذي لا يساوم. لهذا، لم تكن قصيدته محايدة، ولا صالحة لكل الأزمنة السهلة، بل مرتبطة بلحظتها، منحازة للكرامة، ومشحونة بقلق البلاد وأسئلتها الثقيلة.
كتب بالفصحى كما كتب بالعامية، لكن في الحالتين ظلّ وفيًّا لجوهر واحد: أن تكون القصيدة واضحة من دون ابتذال، قوية من دون صراخ، ومباشرة من دون أن تفقد جمالها. في زجله، نلمح أثر المدرسة الجبلية العريقة، حيث الكلمة تُطرَق كما الحديد، وحيث الإيقاع ليس للزينة بل للترسيخ. أمّا في قصائده الفصيحة، فنجد شاعرًا واعيًا لثقل اللغة، يقترب منها بحذر العارف لا بخفّة العابر.
أصدر عددًا من الدواوين التي شكّلت محطات أساسية في مسيرته، منها أعمال زجلية وأخرى فصيحة، إضافة إلى رباعيات مكثّفة حملت خلاصة تجربته الفكرية والشعرية. ومن بين أعماله دواوين صدرت عن دور نشر لبنانية مرموقة، كدار زمكان. لم يكن غزير النشر بقدر ما كان دقيقًا في الاختيار، وكأنّه كان يدرك أن كثرة الكلام تُضعف الأثر، وأن القصيدة التي لا تُضيف لا تستحق أن تُقال.
لم يكن بعيدًا عن الصحافة، بل كتب في عدد من الصحف والمجلات، مساهمًا في ترسيخ صورة المثقف المنخرط في الشأن العام، لا المنعزل في برج لغوي. كانت مقالاته امتدادًا طبيعيًا لقصيدته: واضحة، حادّة، غير خاضعة للمسايرة، ومشبعة بحسّ أخلاقي عالٍ. لم يكتب ليُرضي، بل ليُنبّه، ولهذا السبب دفع ثمن كلمته أكثر من مرّة.
تعرّض لمحاولات اغتيال، ولم تكن تلك الوقائع تفصيلًا عابرًا في سيرته، بل دليلًا على أن الكلمة حين تكون صادقة تتحوّل إلى خطر. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يبدّل لغته، ولم يبحث عن منطقة رمادية آمنة. بقي وفيًّا لصوته، حتى حين صار الصوت مكلفًا، وحتى حين بدا الصمت أكثر إغراءً.
في جنازته، بدا المشهد كأنّه قصيدة أخيرة: وجوه من الجبل، أصوات تعرف معنى الوقوف، وذاكرة جماعية تودّع واحدًا من أبنائها الذين لم يغادروا الناس يومًا. لم تكن جنازة شاعر فحسب، بل وداع مرحلة من الشعر اللبناني الذي كان يعرف كيف يجمع بين الموقف والجمال، بين الغضب والاتزان.
برحيله، خسر لبنان واحدًا من أصواته القليلة التي لم تُساوم، ولم تُدجَّن، ولم تتحوّل إلى صدى. بقيت قصيدته أعلى من اللحظة، وأصدق من الشعارات، وأقرب إلى الناس من المنابر المصنوعة. سيغيب الجسد، لكن الجبل الذي تكلّم باسمه لن يصمت، لأن الكلمة التي خرجت من تربته لا تعرف الأفول، بل تعرف كيف تُورَّث، وكيف تبقى معيارًا، شاهدًا على عصرٍ فقد صوته الحقيقيَّ.
رحل الجسد، وبقي الجبل يتكلّم.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا