كفّوا اليد عن جيب المواطن... وبحصلي لايكووطن: الدولة هي خصم المواطن والشركات وأي زيادة ضريبية مسؤوليتها
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : دانا حمزة
Aug 01 26|00:45AM :نشر بتاريخ
في بلد تلاحقه الازمات وينعدم فيه الأمن والاستقرار ويتخبط بين الحرب والركود الاقتصادي، يقف المواطن عاجزاً ويائسا أمام التكاليف التي يدفعها. فدفع المواطن اللبناني أيامه وشبابه وأقاربه وأحباءه في الحروب والويلات. وان كان قد نجا، فلا يمكن الفرار من دفع ثمن الفساد والانهيار الاقتصادي بدءاً من تكاليف التعليم والاستشفاء والغذاء والمحروقات، وصولاً إلى فواتير الكهرباء والمياه والانترنت لتقضي على ما تبقى منه. و كل هذا يتفاقم في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وغياب أي معالجة فعلية او تصحيح حقيقي للرواتب والاجور.
لطالما كانت قضية غلاء المعيشة تسود حياة اللبنانيين، الا انها غدت الآن غير محمولة والشغل الشاغل لهم، فتتجلى في أحاديثهم اليومية في مختلف اللقاءات العائلية والاجتماعية. فقد أصبح الذهاب إلى السوبرماركت ليس مجرد عملية شراء فحسب، بل تحوّل إلى تجربة شخصية مروعة ترهق صاحبها نفسيا و فكريا حيث يحسبها معادلة حسابية دقيقة ، يقف خلالها أمام كل منتج متسائلاً: هل أشتريه؟ هل انا فعلا بحاجة اليه؟ أم يمكن الاستغناء عنه؟ وهل أجده بسعر أقل في متجر آخر؟ ام هذا سيكلفني نفقات اضافية من الوقود؟ علاوة على ذلك، ان سؤال كم سعر المنتج يسابق سؤال عن مدى جودته، فالجودة لم تعد هم اللبناني الاول حيث بات البعض يتجه الى شراء ماركات غير معروفة لمنتج معين كونه ارخص من منتج آخر من ماركة معروفة وشهيرة . حتى و مع كل هذه التدابير، يجد بعض اللبنانيين انفسهم مجبورين اما على اقتراض المال او تمضية الايام المتبقية من الشهر دون مال ، خصوصاً أن الرواتب منخفضة لا تتناسب مع الواقع الفعلي لغلاء المعيشة. لذا يلجأ معظمهم إلى زيادة تقليص الاستهلاك من بعض المنتوجات وشراء الحاجات الاساسية بكمية قليلة وتأجيل كل ما هو غير ضروري وآني، والا يقعوا في دوامة ديون هم في غنى غنها.
وكذلك المغتربون العائدون إلى لبنان، لم يتوقعوا ان الوضع بهذا السوء، حتى انهم يفكرون مليا بكيفية قضاء عطلتهم بحيث اصبحت الخيارات محدودة.. وتقول إيمان، وهي مغتربة عادت لقضاء فصل الصيف في لبنان: "لم أكن اتصور أن زيارتي الى لبنان ستكون بهذه الكلفة. فشراء ابسط الحاجات كاللبنة والخبز والجبنة والخضار يكلف ما بين 10 و20 دولاراً على الأقل. هذا يعني ان صحن الفتّوش يحتاج الآآن الى ميزانية هنا، واذا وفرت بمنتج معين تدفع فرق السعر في منتج آخر. ناهيك عن الإنترنت، وتشاريج الهاتف، والكهرباء، والمحروقات، والإيجارات. المال الذي ادخرته من اجل هذه العطلة يصرف بسرعة هنا، وما يقلقني ان أي حالة طارئة، كزيارة الطبيب أو دخول المستشفى، قد تستنزف ما تبقى منه".
وتضيف: "حتى مبلغ 100 دولار فلم يعد له اي قيمة. فتعبئة البنزين، مع شراء بعض الحاجات الأساسية، كفيلة بإنهائه، فكيف الحال بمن لا يزال يتقاضى راتباً يتراوح بين 300 و400 دولار؟ كيف يعيشون مع عائلتهم؟". وتتابع: "حتى إن كل "مشوار" بعيد المسافة تكلّفنا حسابات كثيرة مع غلاء المحروقات. الوضع غير محتمل أبداً. جئت لأمضي الصيف هنا، فإذا بي سأغادر بعد حوالى 20 يوماً لأنني لم أعد أستطيع تحمّل هذه التكاليف العالية وعلى جودة حياة اقل مما ندفع بكثير".
وفي هذا السياق، أعلنت إدارة الإحصاء المركزي في رئاسة مجلس الوزراء أن "مؤشر أسعار الاستهلاك في لبنان لشهر أيار 2026 سجل ارتفاعاً قدره 0.48 في المئة مقارنة بشهر نيسان 2026، كما سجل التغير السنوي لمؤشر أسعار الاستهلاك في شهر أيار 2026 نسبة 19.04 في المئة، مقارنة بشهر أيار من العام 2025".
لطالما اختارت الدولة جيب المواطن اللبناني لحل كل أزمة مالية تواجهها. فالأسهل لها كان فرض ضرائب جديدة تقلص قدرة اللبنانيين المعيشية عوضا عن التوجه نحو الإصلاحات البنيوية، وإقفال مزاريب الهدر والفساد، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي. فصدر قرار بفرض رسوم بيئية تتراوح بين 1 و3 في المئة على معظم السلع المستوردة التي تنتج نفايات، وقد أثار بدوره موجة واسعة من الاعتراضات والادانات من المواطنين معتبرين أن هذه الرسوم ستنعكس حكماً على أسعار معظم السلع، وبالتالي على قدرتهم الشرائية. وسرعان ما قوبل هذا القرار باعتراضات واستنكارات من مختلف الجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية، ما أدى إلى تعليق العمل به.
وفي هذا الاطار، زفّ رئيس لجنة الاقتصاد النيابية، النائب فريد البستاني، قرار وقف تطبيق مفاعيل المرسوم رقم 3214 الصادر عن مجلس الوزراء، مؤكداً متابعة البحث عن مصادر إيرادات بديلة للخزينة، مع التشديد على أن معالجة ملف النفايات يجب ألا تكون "من جيبة المواطن".
كما أكد رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، أن العمل بالمرسوم قد علق نتيجة تحرك مشترك بين الاتحاد والجهات المعنية والوزراء، على أن تستمر اللجنة المشتركة في البحث عن حلول بديلة مناسبة.
بدوره، اعتبر رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان، مارون الخولي، ان" تراجع مجلس الوزراء عن تنفيذ المرسوم رقم 3214 وتعليق العمل به يشكل انتصارا واضحا للحراك النقابي والاجتماعي والشعبي، الذي وقف في وجه محاولة فرض أعباء ضريبية جديدة على اللبنانيين تحت عناوين بيئية محقة في أهدافها لكنها خاطئة في توقيتها وآليات تمويلها".
أما الهيئات الشمالية، فاعتبرت هذا الإجراء لا يشكل حلاً كافياً أو معالجة حقيقية للمشكلة، إذ إن مجرد التعليق يبقي القرار قائماً وقابلاً لإعادة طرحه في أي وقت"، داعية إلى البحث عن حلول بديلة قائمة على مكافحة الهدر والفساد، وإجراء إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية، واستعادة الأموال العامة، بعيداً من تحميل المواطن أعباء إضافية من جيبه ولقمة عيشه.
وفي هذا الاطار، رفض نقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي، في حديث خاص لـ"إيكو وطن"، القول بأن المواطن وفي كل الازمات هو من يدفع الثمن بالرغم من ثبات الرواتب بيد أنّ اصحاب العمل واصحاب رؤوس الاموال ورجال الاعمال يحولون خسارتهم على مواطنين، معتبرا ان هذه مقاربة ليست صحيحة، قائلا ان صاحب العمل هو في النهاية مواطن. كما انه ليس من يفرض الضرائب وليس من يجنيها . واعتبر ان المواطن والشركات بكفة والدولة بكفة اخرى.
واضاف: مما لاشك فيه انه عند اي زيادة في الاسعار،يدفع المواطن الثمن ويتأذى و لكن ليس صاحب العمل من ياخذ هذا الفرق. فالدولة هي من تضع الضريبة، والشركة بدورها تقوم برفع السعر لتغطية الضريبة ولكن لا تذهب هذه الاموال الى الشركة انما الى خزينة الدولة. لافتا الى ان اي ضريبة تفرض، في النهاية المواطن سيدفع ثمنها حتما وهنا تقع المسؤولية على الدولة وليس على الشركات مشددا على وجوب معرفة من هو الخصم، معتبرا ان الدولة هي خصم المواطن والشركات .
وجدد بحصلي، في حديثه لـ"إيكو وطن"، التأكيد على أن الحل لا يكون بفرض ضرائب مباشرة على المواطنين، باعتبار أن ذلك هو الحل الأسهل بالنسبة للدولة، وإنما من خلال تحسين طريقة الجباية، وقبح الاقتصاد الأسود وغيرها من اجراءات. وأشار إلى أننا كشركات رسمية تدفع الضرائب، الخصم لدينا هو الشركات التي لا تدفع الضرائب، وهذا المطلوب من الدولة القيام بها.
ورأى بحصلي أن لكل جهة مسؤولياتها المحددة يجب القيام بها. وأوضح أن مسؤولية شركات المواد الغذائية تتمثل في تأمين الأمن الغذائي والبضائع في الاسواق ، في حين تقع على الدولة مسؤوليات خفظ الأمن العسكري والذاتي والأمن المالي والاقتصادي، إضافة إلى قمع الغش.
وأضاف أن القطاع الخاص يحتاج إلى بيئة صالحة تمكنه من العمل، تشمل الأمن، والعدل، والاستقرار المالي، وقضاءً فاعلاً، وهي جميعها مسؤوليات الدولة. أما دور الشركات، فيتمثل في استيراد البضائع، وتسعيرها، وتوزيعها، والتنافس لتقديم ارخص الأسعار للمستهلك.
وفي هذا السياق، قال اذا ارتفع سعر البترول فتضطر الشركات الى رفع سعرها .لكنه شدد، في المقابل، عندما تنخفض أسعار البترول، يتوجب على التجار خفض أسعار السلع أيضاً.
وكشف أنه خلال تواجده في وزارة الاقتصاد، أشار ممثلو الشركات إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار خلال الأيام الخمسة عشر الأخيرة، نسبة لارتفاع أسعار النفط، انعكس انخفاضا في حجم الطلب، إذ بات المستهلكون غير قادرين على استيعاب موجة الغلاء.
وأكد أن التاجر أو المستورد لا يرفع الأسعار لمجرد الرغبة في ذلك، خصوصا وانه اذا رفع اسعاره كثيرا مع الاخذ بعين الاعتبار ان دخل المواطن ثابتا وبالتالي لا مصلحة له ليرفع اسعاره لانه لا يعود يبيع.
و قدم بحصلي مثالاً افتراضياً يوضح فكرته، فقال إن التاجر كان يبيع عشر وحدات من سلعة معينة بسعر 10 دولارات ، محققاً مبيعات يومية بقيمة 100 دولار. وبعد ارتفاع السعر إلى 12 دولاراً للسلعة، تراجع عدد الزبائن إلى النصف تقريباً (5 زبونات) بسبب ضعف القدرة الشرائية، فانخفضت قيمة مبيعاته اليومية إلى نحو 60 دولاراً فقط، رغم ارتفاع سعر السلعة. وخلص إلى أن الغلاء يضر بالتاجر كما يضر بالمواطن، فمثلا كان التاجر يبيع بقيمة 100$ في اليوم اصبح يبيع بقيمة 60$ وبالتالي خسر التاجر زبوناته الى النصف مؤكداً أن الشركات لا تحبذ الغلاء لانها تريد وجود طلب قوي في السوق.
فاللبناني خرج للتو من حرب لايزال يحمل عبء تداعياتها خصوصا وان البعض صرف من عمله او هدم مكان عمله او خفض راتبه الى النصف او اصبح بلا منزل هذا ولا تزال الحركة الاقتصادية ضعيفة، فيما يعيش قسم كبير من المواطنين على رواتب لم تعد تكفي لتغطية الحاجات الأساسية واصبح الحد الادنى للاجور عاجزا عن تأمين معيشة كريمة تليق بالمواطن بظل تلكؤ السلطة عن اتخاذها اجراءات وقرارات لتصحيح الاجور وحمايتها بما ييتوافق مع معدلات التضخم الحاصلة. فعلى الدولة ان تعي إن أي رسوم أو ضرائب إضافية، مهما كانت مبرراتها، ستفاقم من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وستزيد من تآكل الطبقة الوسطى، وسترفع معدلات الفقر وهجرة الادمغة ولهذا تداعيات كثيرة خطرة.
ويبقى السؤال الأساسي: لماذا تلجأ الدولة في كل مرة إلى جيب المواطن، فيما تستطيع تحسين إيراداتها عبر خطوات عدة كمكافحة التهرب الجمركي والضريبي، ومكافحة الغش ؟ وهل المطلوب من المواطن أن يمول عجز الدولة في كل مرة، أم أن الوقت قد حان لسياسات مالية تعالج مكامن الخلل الحقيقية، وتحقق العدالة الضريبية، بحيث يدفع كل طرف ما يترتب عليه، من دون أن يبقى المواطن الملاذ الأسهل لسد عجز الخزينة؟
حان الوقت لتكفّوا اليد عن جيب المواطن ، فقد استهلكتموه واستنزفتم طاقاته، ولم يعد لديه حيلة ليتحمّل!
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا