ابن خلدون يُحاكم الرواة: كيف تحوّل التاريخ من حكاية إلى محكمة للحقيقة؟

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : فاروق غانم خداج
Aug 02 26|07:57AM :نشر بتاريخ

كتب الباحث في الأدب والفكر الإنساني الكاتب اللبناني فاروق غانم خداج في إيكو وطن: 

قبل أن يعرف العالم مصطلح "التحقق من المعلومات"، وقبل أن تتحول مهنة تدقيق الأخبار إلى تخصص قائم بذاته، كان عبد الرحمن بن خلدون قد طرح، في مقدمته الشهيرة، السؤال ذاته الذي يؤرق اليوم كل من يكتب عن الماضي أو يحاول فهم الحاضر: كيف نعرف أن ما يُروى لنا صحيح؟ لم يكن ابن خلدون مجرد مؤرخ يجمع الوقائع ويرتبها زمنيًا، ولم يكن ناقدًا للرواية فحسب، بل كان صاحب واحدة من أقدم وأكمل النظريات في فلسفة التاريخ في الفكر العربي والإسلامي، نظرية تقوم على أن الحدث لا يُفهم إلا ضمن قوانين اجتماعية تحكم نشوء المجتمعات وتحوّلها. فالتاريخ عنده ليس سردًا محايدًا، بل مسؤولية علمية وأخلاقية في آن. والمؤرخ الذي ينقل خبرًا دون تمحيص لا يخدم الحقيقة، بل يشارك في تزييفها.
ثورة على المؤرخين قبله
جاء ابن خلدون في زمن كانت كتابة التاريخ فيه أقرب إلى تدوين الأخبار من إنتاج المعرفة. المؤرخون الذين سبقوه اكتفوا غالبًا بجمع الروايات ونقلها كما وصلتهم، معتمدين على سلسلة الإسناد لا على المنطق الداخلي للحدث. لكن ابن خلدون رأى أن كثرة الروايات لا تعني بالضرورة صحتها، وخصص فصلًا كاملًا في مقدمته لتعداد أسباب وقوع الكذب في الأخبار: التعصب للآراء والمذاهب، والثقة العمياء بالناقلين، والجهل بكيفية انطباق الأحوال على الوقائع، والتقرب من أصحاب الجاه بما يرضيهم، وحتى مجرد الميل الفطري إلى الغرائب والعجائب. من هنا جاءت فكرته الجوهرية: لا يمكن الحكم على صحة خبر تاريخي دون معرفة "طبائع العمران البشري"، أي دون فهم كيف تنشأ المجتمعات، وكيف تتوزع فيها السلطة والثروة، وكيف تتصارع الجماعات وتتحد بحسب طبيعة العصبية التي تجمعها. بهذا المعنى، حوّل ابن خلدون التاريخ من حرفة النقل إلى علم يحتاج إلى أدوات تحليل مستقلة عن النص المروي نفسه.
قواعد التأريخ: من الرواية إلى البرهان
وضع ابن خلدون منهجية متكاملة لفحص الأخبار قبل قبولها، تبدأ بضرورة التحقيق في مصدر الرواية وسياقها، ورفض تصديقها لمجرد شيوعها أو تكرارها على ألسنة كثيرين. القاعدة الثانية كانت عرض الخبر على "قوانين العمران": هل ما يُروى ينسجم مع الطبيعة المعروفة للمجتمعات والسياسات والاقتصاد في تلك الحقبة؟ ومن أشهر الأمثلة التي طبّق عليها هذا المبدأ نقده لما تناقلته كتب التاريخ عن ضخامة أعداد جيوش بني إسرائيل في الروايات القديمة، إذ بيّن أن تلك الأرقام تتجاوز منطقيًا ما يمكن أن تتسع له الأرض أو ما تسمح به موارد ذلك العصر، فاستنتج أن الرواة بالغوا حتى وقعوا في المحال. وقد لخّص فكرته هذه بأن الخبر يحتاج إلى نَظَرٍ وتمحيص ومطابقة لأحوال الواقع، لا إلى مجرد نقل عن ناقل. أما القاعدة الثالثة فكانت رفض المبالغات عمومًا، خصوصًا في تقدير أعداد الجيوش والثروات ووصف الأحداث الخارقة، إذ لاحظ أن الرواة يميلون إلى التهويل لإثارة الدهشة أو لخدمة غرض سياسي. ولم يكتف بذلك، بل طالب المؤرخ بالبحث عن الأسباب العميقة لقيام الدول وسقوطها، بدل الاكتفاء بوصف الأحداث كما تظهر على السطح. وأخيرًا، شدد على أهمية مقارنة الروايات المختلفة لحدث واحد، بحثًا عن أقربها إلى المنطق والانسجام الداخلي، لا عن أكثرها شهرة أو تداولًا.
المؤرخ ليس راويًا: صفات الباحث عن الحقيقة
يميّز ابن خلدون ضمنًا، وإن لم يستخدم المصطلح بالحرف، بين "الراوي" و"المؤرخ": فالراوي ناقل أمين للخبر كما وصله، أما المؤرخ فهو من يُخضع الخبر للتحليل ويبحث عن علّته وسياقه، إذ لا يكفي أن نعرف ماذا حدث، بل لماذا حدث بهذه الصورة دون غيرها. وهنا يكمن فرق جوهري آخر بين حقيقة الحدث نفسه وتفسير المؤرخ له، فالوقائع قد تتشابه عبر العصور، لكن قراءتها تختلف بحسب الأدوات التحليلية التي يملكها الباحث. لهذا احتاج المؤرخ الحقيقي، في نظر ابن خلدون، إلى سعة معرفة تتجاوز حفظ الوقائع إلى فهم القوانين والسياسات والعادات الاجتماعية، وإلى عقل نقدي قادر على مساءلة النص بدل الاستسلام له، وإلى تحرر من التعصب الديني أو المذهبي أو السياسي الذي يشوّه الرؤية ويحوّل الكتابة التاريخية إلى أداة دعاية. كما يتطلب الأمر صبرًا طويلًا في جمع المصادر ومقارنتها، وفهمًا عميقًا للنفس البشرية وحركة المجتمعات وتحولاتها عبر الزمن. والأهم من ذلك كله أن ابن خلدون لم يتصور المؤرخ موظفًا في خدمة السلطة، ولا ناقلًا أمينًا لرواية المنتصرين وحدهم، بل باحثًا مستقلًا عن الحقيقة، حتى لو جاءت مزعجة لأصحاب النفوذ في زمنه أو في أي زمن آخر.
ابن خلدون في مرآة الحاضر
قد يبدو الحديث عن مؤرخ عاش في القرن الرابع عشر بعيدًا عن هموم العصر الرقمي، لكن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا. نعيش اليوم في زمن تتدفق فيه الأخبار غير الموثقة بسرعة تفوق قدرتنا على التحقق منها، وتتحول فيه منصات التواصل إلى ساحة لتكرار الروايات بلا تمحيص، بمنطق يذكّر بمجالس الرواة قديمًا وإن اختلفت الآلية جوهريًا: فمجالس الرواة كانت تعتمد على أشخاص بعينهم يمكن مساءلتهم وتتبع مصداقيتهم، بينما يعتمد الفضاء الرقمي اليوم على خوارزميات تُضخّم الخبر بحسب انتشاره لا بحسب صدقه، فتصبح المهمة النقدية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن ابن خلدون. كما أن الأيديولوجيا والسياسة ما زالتا تتدخلان في كتابة التاريخ وقراءته، فتُعاد صياغة الماضي بما يخدم روايات راهنة بدل السعي إلى فهمه كما كان. هنا تحديدًا تتجدد الحاجة إلى مؤرخين وصحافيين يمارسون النقد لا التبرير، ويسائلون المصادر بدل تكرارها، ويضعون "قوانين العمران" المعاصرة، أي فهم السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، شرطًا أساسيًا لأي قراءة جادة للأحداث.
خاتمة
تكمن عظمة ابن خلدون في أنه لم يكتب تاريخًا لزمنه فحسب، بل وضع قاعدة معرفية تصلح لكل زمن: لا يكفي أن نعرف ماذا حدث، بل يجب أن نفهم لماذا حدث، وكيف يمكن التثبت من صحته قبل أن نصدقه أو ننقله.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan