افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الجمعة 7 أغسطس 2026
الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Aug 07 26|06:45AM :نشر بتاريخ
"النهار":
إذا كانت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية في روما خرجت ببعض التقدم في بنود والكثير من التعقيدات المتراكمة في بنود أخرى، فإنها مع الواقع الميداني في الجنوب الآخذ في الجنوح نحو التصعيد، لم تحجب حقيقة جوهرية من حقائق الأزمة المصيرية التي حوصر ضمنها لبنان، وهي معادلة ربط تحرير الجنوب بنزع السلاح، الأمر الذي لم يعد ممكناً القفز فوقه في أي تقديرات تتعلق بمستقبل المفاوضات ورحلتها الشاقة.
هذه الحقيقة برزت مجدداً في الجولة الأخيرة، ليس على طاولة المفاوضات فقط، وإنما من خلال مصادفة زمنية رمزية، إذ تزامن انتهاء الجولة مع ذكرى مرور سنة كاملة على ما وصف بالقرار التاريخي لمجلس الوزراء في جلستي 5 آب و7 آب من العام الماضي 2025، حيث قرر تنفيذ قرار حصر السلاح في يد السلطة الشرعية وقواها العسكرية والأمنية فقط، كما اعتبر سلاح "حزب الله" وكل الجماعات المسلحة خارج السلطة سلاحاً خارجاً على القانون. ووضعت خطط أمنية وعسكرية لحصر السلاح ونشر السلطة الشرعية في كل لبنان، فيما نفذت خطوات واسعة امتدت لشهور في جنوب الليطاني على أساس أنها صارت منزوعة من كل سلاح غير شرعي، فإذا بالأحداث والتطورات بعد "حرب إسناد ايران" تعيد مجمل الوضع إلى نقطة الصفر وتكشف أن أي نزع جدي ومعمّق وحقيقي لسلاح الحزب لم يتحقق مهما سيق في ذلك من أعذار وتبريرات.
قرار حصرية السلاح
مع مرور سنة على قرار حصرية السلاح، يبدو القرار عالقاً ومعطلاً، إن لم نقل مرحلا ومرجأ الى اشعار غير معروف وغير مضمون اسوة بكل ما سبقه في هذه المسالة من بنود وقرارات في الطائف والدستور والقرارات الدولية. وما المماحكات الصعبة الشاقة التي يواجهها الجانب اللبناني المفاوض لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية سوى نموذج حيّ عن نماذج الأكلاف الهائلة التي يتكبدها لبنان، جراء محاصرته بالإحراج الكبير خارجياً وداخلياً حيال التشكيك في قدرة الدولة على تنفيذ قرارات مصيرية تاريخية اتخذتها بتأييد داخلي وخارجي عارم ولكنها عجزت عن التزام تنفيذها.
بطبيعة الحال، لا تتحمل الدولة وحدها تبعات ومسؤوليات استباحات إقليمية مخيفة تتمثل في توظيف إيراني قاتل للساحة اللبنانية عبر "حزب الله" وعدوانية إسرائيلية غير مسبوقة في كل احتلالاتها للبنان. ولكن الشقّ الداخلي من تبعات القصور عن مواجهة السلاح غير الشرعي والعجز وربما التواطؤ عن عدم نزع سلاح الحزب الذي يرفع لواء التبعية العمياء القاتلة لإيران، فيما هو يخوّن الدولة اللبنانية وأركانها ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وسائر معارضيه، هذا الشقّ يرخي بأثقاله وذيوله على "أنفاق" الأزمة التي تجتازها البلاد، ولا يمكن التكهّن بعد بأي أفق زمني للبدء بالخروج منها، خصوصاً وأن تشابك العوامل الإقليمية بعد سنة من قرار حصرية السلاح بات عنصراً سلبياً إضافياً، وتبدلت الرهانات على دعم دولي واسع للجيش اللبناني في انتظار ترجمة وعود مشروطة من الجانب الأميركي لدعم الجيش، شرط رؤية خطوات عملية وفعّالة في نزع سلاح "حزب الله". كما أن خفوت الضغوط الأميركية على إسرائيل ارتبط بالشكوك الأميركية الإسرائيلية المشتركة في صدقية التزام لبنان وجيشه بنزع السلاح.
جلسة المفاوضات
وسط هذه الأجواء وغداة التصعيد العسكري الإسرائيلي في الميدان الجنوبي الذي انعكس سلباً على طاولة مفاوضات روما، انعقدت أمس لليوم الثالث جلسة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في السفارة الأميركية في العاصمة الإيطالية روما، وتمكّن الراعي الأميركي من إعادة الهدوء إلى محادثاتها التي انتهت بعد الظهر. وتبعاً للمعلومات التي وزعتها مصادر بعبدا، فإن المطلب السياسي الأساسي للوفد اللبناني تركّز على تحقيق وقف شامل للأعمال العدائية بما في ذلك وقف عمليات التفجير، غير أن الجانب الإسرائيلي لم يوافق عليه. وكشفت مصادر بعبدا أن مسحاً جغرافياً للمنطقة المحتلة أنجز على الخرائط تمهيدًا لإعداد جدول للمناطق النموذجية، فيما أُرجئ استكمال البحث بانتظار قرار المستوى السياسي. كما أوضحت أنه تم تبادل لوائح أولية للأسرى مع تمسك لبنان بإطلاق الدفعة الأولى منهم في أسرع وقت. وأشارت إلى أن البحث في ملف الأسرى انقسم إلى شقين، الأول، مسار القانون الدولي الذي يرعى الأسرى، والثاني متعلق بتبادل لوائح الأسرى وهو أمر صعب للبنان لأنه لا يملك هذه اللوائح.
كما استُكمل البحث في ملف الطرف الثالث المكلّف بالتحقق من انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية ونزع السلاح فيها وتم التوصل إلى لائحة مختصرة تمهيدًا لاختيار أحدها في المرحلة المقبلة.
وذكرت مصادر بعبدا أن لبنان تلقّى وعدًا من الجانب الأميركي بالحصول على إجابات بشأن وقف إطلاق النار بعدما كان لبنان طالب به خلال هذه الجولة. وجرى بحث اتفاق أمني جديد ينظّم الوضع على الحدود ومرجعيته القانونية، سواء عبر الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأميركية. ولفتت إلى أنه لم يتم التوصل إلى نتائج نهائية بشأن المناطق النموذجية مع تمسّك لبنان بالانتقال إلى مناطق جديدة وإصرار إسرائيل على التحقق في المنطقتين الأوليين أولًا.
وتم طرح تاريخ الأول من أيلول كموعد لجولة جديدة من المفاوضات على أن يتابع الجانب الأميركي البحث مع الطرفين بشكل منفصل في جميع المسارات لحين تثبيت موعد جديد للتفاوض.
وفي الشق العسكري، أوضحت مصادر بعبدا أن الاجتماعات انتهت إلى اتفاق على المفاهيم والمصطلحات المرجعية التي ستنظّم آلية التعامل والتنسيق بين الأطراف الثلاثة، بما يضع إطاراً موحداً للمسار التنفيذي في المرحلة المقبلة.
وخلال تفقد رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الصحافيين خلال استراحة الغداء، قال: "في المفاوضات لا نحصل دائمًا منذ البداية على كل ما نريده، فهذا مسار طويل ولكن علينا الاستمرار فيه".
تصعيد ميداني
وعقدت الجلسة الاخيرة من المفاوضات على وقع استمرار التصعيد الميداني جنوباً، إذ استهدفت غارتان إسرائيليتان بلدة المنصوري قضاء صور. وألقت محلّقة إسرائيلية قنبلة صوتية على بلدة ياطر. فيما سيّرت القوات الإسرائيلية دوريات مؤللة في منطقتي وادي السلوقي ووادي الحجير، تزامنًا مع إطلاق رشقات من الأسلحة الرشاشة باتجاه جانبي الطريق في المنطقة. وصعّد الجيش الإسرائيلي اعتداءاته، حيث شهد قضاء صور منذ ليل الأربعاء حتى صباح البارحة قصفاُ متواصلاً، تخللته سلسلة غارات وقصف مدفعي. ونفّذ الطيران المسيّر الإسرائيلي ثلاث غارات على حي الملعب في بلدة البرج الشمالي، أعقبها الطيران الحربي بغارة رابعة على الموقع نفسه، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص نقلوا إلى مستشفيات صور، فيما سُجلت حركة نزوح من البلدة باتجاه المدينة. ودخلت وحدات من الجيش اللبناني وفرق الإسعاف إلى موقع الغارات في البرج الشمالي لإجراء عمليات الكشف الميداني، وأعلنت وزارة الصحة عن سقوط 8 جرحى في البرج الشمالي.
"اليونيفيل": الالتزام بالقرار 1701 لخفض التصعيد
أصدرت قيادة قوات "اليونيفيل" بياناً، أشارت فيه إلى أن "حفظة السلام يواصلون رصد الانتهاكات اليومية للأجواء اللبنانية والأنشطة العسكرية على الأرض. وقد سجّلت اليونيفيل يوم أول من أمس إطلاق 113 مقذوفاً من قبل الجيش الإسرائيلي، وهو أعلى عدد يتم تسجيله منذ 21 حزيران الماضي. ورغم أن حدّة العنف لا تزال أقلّ بكثير مما كانت عليه خلال الأشهر الماضية، فإن الوضع العام لا يزال هشّاً. ويواصل حفظة السلام مراقبة التطورات والإبلاغ عنها إلى مجلس الأمن، والحفاظ على وتيرة عملياتهم، والتواصل مع الأطراف للمساعدة في خفض التوترات.
وأضاف البيان: يبقى الالتزام بالقرار 1701، إلى جانب الحوار والتنسيق، أمراً أساسياً لخفض التصعيد، وعنصراً رئيسياً لاستعادة الاستقرار الكامل في جنوب لبنان".
"الأخبار":
في وقت تتقدّم فيه مساعي إعادة تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، والتي قد تمهّد الطريق للعودة إلى «مذكرة التفاهم» الموقّعة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يبدو أن الضغط العسكري قد خرج بعد من حسابات الطرفين. وإذ يلوّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالعودة إلى الحرب في حال فشل المفاوضات، تتمسّك طهران بإدارة ترتيبات العبور في المضيق، مواصِلةً محادثاتها مع عُمان في هذا الشأن، والتي تحظى بدعم من كلّ من قطر وباكستان. ويأتي ذلك فيما تكشف أزمة الذخائر عن قيود تواجه استمرار العمليات العسكرية الأميركية بالوتيرة السابقة، التي فشلت أصلاً في تحقيق أهداف الحرب.
وكانت توصّلت طهران ومسقط إلى تفاهم على «الخطوط العريضة» لإعادة فتح المضيق، لكن تنفيذ هذا الاتفاق لا يزال يحتاج إلى موافقة «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، الذي استقال أمينه العام، محمد باقر ذو القدر، من منصبه، قبل أيام، فيما تشير المعطيات إلى نية تعيين المستشار العسكري لمرشد الثورة، محسن رضائي، بديلاً منه. ومن المفترض أن يمتدّ الاتفاق الإيراني - العماني 60 يوماً، مع قابلية تمديده، وهو يهدف إلى استئناف الملاحة، ويبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال مشاركة أطراف إقليمية في إزالة الألغام والإجراءات الفنية اللازمة. وفيما يعتبر نجاح هذا الترتيب خطوة لازمة للعودة إلى «مذكرة التفاهم» التي نتجت من مسار إسلام آباد، وتحديداً تفعيل المادة الخامسة منها، نقلت وكالة «فارس» الإيرانية عن مصدر مطّلع إشارته إلى أن «ترتيبات الملاحة المقبلة ستقضي، بعد انتهاء المهلة المحددة (60 يوماً)، بإلغاء الممرَّين الشمالي والجنوبي واعتماد الممرّ الأوسط لعبور السفن، مع استيفاء أثمان خدمات تشمل التأمين والتزوّد بالوقود والرسوم البيئية».
ومع استمرار ترقّب الخطوة التالية بعد الاتفاق الإيراني - العُماني، أعلنت الخارجية الباكستانية استمرار انخراطها مع دول أخرى بشأن الأزمة في الشرق الأوسط والوضع في هرمز، مؤكدة أن جهودها مستمرّة للتوصل إلى «حلّ شامل ومستدام» بشأن المضيق، ومشيدةً بالدور الذي أدته سلطنة عمان. وكانت اتصالات ضمّت وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا قد تناولت جهود خفض التصعيد والوساطة الباكستانية - القطرية، إلى جانب «ضمان سلامة حركة الملاحة في هرمز وباب المندب».
مع ذلك، ورغم عودة النشاط إلى المسار التفاوضي، تحرص واشنطن على إبقاء خيار القوة قائماً. وفي هذا الإطار، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن إيران «أرادت إجراء المفاوضات وهذا ما نقوم به»، وإن المفاوضات «تسير، على ما يبدو، بصورة جيدة»، مستدركاً بأنها «قد تنجح أو تفشل»، مؤكداً استعداد الولايات المتحدة لشنّ هجوم إذا «استدعت الضرورة». وأضاف أنه يفضّل التوصل إلى اتفاق ولا يسعى إلى «القتل وتدمير كلّ شيء». ومن جهته، رأى نائب الرئيس، جيه دي فانس، أن المفاوضات مع إيران ستكون «معقّدة»، معرباً عن أمله في أن تفضي التطورات الأخيرة إلى خفض أسعار النفط، ومؤكداً أن «الإدارة ستستخدم كلّ الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية للتوصّل إلى حلّ مع طهران».
ويأتي ذلك في ظلّ جدل متصاعد في واشنطن حول قدرة الجيش الأميركي على مواصلة العمليات بالمستوى نفسه. إذ أفادت صحيفة «واشنطن بوست»، في تقرير جديد، نقلاً عن مسؤولين، بأن استياء ترامب من وزير الدفاع، بيت هيغسيث، تصاعد بعدما كان الأخير من أبرز الداعين إلى العمل العسكري ضدّ إيران، وأقنع الرئيس بأن العملية ستكون «انتصاراً سريعاً وسهلاً نسبياً». وبحسب تقرير الصحيفة، واجه ترامب وزير دفاعه في كامب ديفيد، مطالباً إياه بـ«تفسير النقص الحادّ في بعض أنواع الذخائر، ولا سيما الصواريخ الموجّهة البعيدة المدى واعتراضات الدفاع الجوي، بعدما بات الاستنزاف يقيّد الخيارات العسكرية الأميركية تجاه إيران».
وكانت أفادت التقارير بأن القوات الأميركية استهلكت نحو 80% من صواريخ «ثاد» ونصف ذخائر «باتريوت» خلال المواجهات السابقة، وعزت إلى هذا الاستنزاف تراجع ترامب عن ضربة عسكرية موسّعة ضدّ إيران. إلا أن «البيت الأبيض» نفى تقرير «واشنطن بوست»، فيما دافع الرئيس علناً عن وزير دفاعه، واصفاً تلك التسريبات بأنها «شائعات كاذبة ولا أساس لها من الصحة»، ومؤكداً أنه «سعيد للغاية» بأداء هيغسيث. كما نفى ترامب وجود نقص في الذخائر الأميركية.
في المقابل، كشفت وكالة «رويترز»، نقلاً عن خمسة مصادر، أن «إيران وجّهت تحذيرات إلى دول الخليج من أن أيّ هجوم أميركي جديد على أراضيها سيقابَل باستهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة في أنحاء المنطقة». وأضاف تقرير الوكالة أن «طهران طلبت من الدول الخليجية الضغط على واشنطن لمنع تجدّد الهجمات، ملوّحةً بضرب منشآت النفط والغاز والمياه في تلك الدول في حال سماح الأخيرة باستخدام أراضيها أو أجوائها في هجوم جديد».
على المستوى الميداني، أبلغت ناقلة نفط عن وقوع انفجارَين في أثناء عبورها مضيق هرمز جنوب شرقي سلطنة عمان، وفق «هيئة عمليات التجارة البحرية» البريطانية. وبعد ساعات، أفادت معلومات متداولة باندلاع حريق في سفينة أخرى قبالة السواحل الإيرانية قرب المضيق. وأظهرت صور الأقمار الصناعية، وجود حريق قبالة الساحل الإيراني، وتحرّك السفينة في اتجاه الشاطئ، فضلاً عن وقوع تسرّب نفطي كبير في المكان.
"الجمهورية":
استولدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما برعاية واشنطن، بعد ثلاثة أيام من البحث، جولة ثامنة تُعقد مطلع أيلول المقبل. وأعلن المتحدث باسم الخارجية الأميركية في ختام المفاوضات، أنّها كانت «مثمرة على المستويين الفني والتقني»، مشيرًا إلى «أنّ وجهات نظر الجانبين اقتربت بمقدار كبير في شأن الخطوات المطلوبة، للمضي قدمًا في عملية «المنطقة التجريبية» وتوسيع نطاقها». فيما قال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال تفقّده الصحافيين المعتمدين في القصر الجمهوري أثناء استراحة الغداء: «في المفاوضات لا نحصل دائمًا منذ البداية على كل ما نريده، فهذا مسار طويل، ولكن علينا الاستمرار فيه».
كشفت مصادر سياسية متابعة لـ«الجمهورية» أنّ الجولة الثامنة ستُحدَّد أميركياً مطلع أيلول، وأنّ الالتزام الوحيد كان منع إسرائيل من توسيع عدوانها، فيما بقيت المطالب اللبنانية الأخرى بلا تقدّم، باستثناء وعود بعيدة الأجل في ملفي الأسرى والترسيم. وقالت المصادر إنّ روما شهدت ثلاثة أيام من الأخذ والردّ من دون نتائج حاسمة: فوقف إطلاق النار بقي مرفوضاً، ومعالجة المناطق التجريبية ووقف التفجير والجرف معلّقة بلا ضمانات، فيما قوبلت لائحة الأسرى اللبنانية بـ25 اسماً بلائحة رفات «تعجيزية». أما الترسيم فلم يتجاوز وضع معايير وأسس، ولم يُحسم بعد اسم جهة التحقق، مع تقدّم إيطاليا على فرنسا المرفوضة أميركياً وإسبانيا المرفوضة إسرائيلياً.
وقال مصدر ديبلوماسي لـ«الجمهورية»، إنّ اجتماعات روما بين الوفود اللبنانية والإسرائيلية والأميركية دخلت في صلب الملفات الأكثر حساسية، بعدما انتقلت المفاوضات من البحث في العناوين العامة إلى مناقشة آليات تنفيذية يفترض أن تحدّد شكل المرحلة المقبلة. وأشار إلى أنّ النقاش لم يكن محصوراً بملف واحد، بل شمل توسيع رقعة المناطق التجريبية، وآليات التحقق من الالتزامات، بالإضافة إلى ملف الأسرى اللبنانيين وما يرتبط به من تعقيدات سياسية وأمنية.
ولفت المصدر إلى أنّ إحدى أبرز نقاط البحث تمثلت في تحديد الجهة الثالثة التي ستتولّى مهمّة التحقق من تنفيذ التفاهمات داخل المناطق التجريبية، إذ طُرحت مجموعة من الخيارات، من بينها إيطاليا، في انتظار بلورة صيغة تحظى بموافقة الأطراف المعنية. واعتبر أنّ أهمّية هذه المسألة تتجاوز الجانب التقني، في اعتبار أنّ الجهة التي ستتولّى التحقق ستكون عملياً جزءاً من منظومة ضمان تنفيذ أي تفاهم، وبالتالي فإنّ هوية هذه الجهة وصلاحياتها وآلية عملها ستشكّل عناصر أساسية في بناء الثقة بين الطرفين.
وكشف المصدر، أنّ المفاوضات شهدت تباينات واضحة، مع تسجيل مقدار من التعنّت الإسرائيلي حيال بعض الطروحات، فيما سعى الوفد اللبناني إلى تقديم بدائل وصيغ مختلفة لتجاوز نقاط الخلاف ومنع المفاوضات من الدوران في حلقة مفرغة. واشار المصدر، إلى أنّ الاتصالات لم تصل إلى تفاهم نهائي، لكنّ مجرّد استمرار النقاش في التفاصيل التنفيذية يعني أنّ قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة، وأنّ البحث انتقل إلى سبل ترجمة التفاهمات على الأرض.
أمّا في ما يتعلق بملف الأسرى اللبنانيّين، فأكّد المصدر أنّه حضر بوضوح في النقاشات، وهو من الملفات التي يمكن أن تشكّل اختباراً جدّياً لمدى استعداد الطرفَين للانتقال من إدارة التوتر إلى خطوات عملية. وفي المقابل، تحاول إسرائيل ربط أي تقدُّم في هذا الملف بسلة أوسع من المطالب الأمنية، فيما يتمسك لبنان بالتعامل مع قضية الأسرى في اعتبارها ملفاً إنسانياً وقانونياً لا ينبغي تحويله إلى ورقة مقايضة ميدانية.
وفي موازاة ذلك، يبرز توافق على التوجُّه إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار ينظّم مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة «اليونيفيل»، بما ينسجم مع الترتيبات الجديدة التي يجري البحث فيها. وقال المصدر، إنّ هذا المسار يشكّل مؤشراً إلى أنّ المفاوضات لا تتناول فقط وقف الخروقات أو الترتيبات الآنية، بل تتّجه إلى إعادة تنظيم آليات المراقبة والضمانات في المرحلة المقبلة.
وخلص المصدر إلى أنّ اجتماعات روما لم تنتج اتفاقاً نهائياً، لكنّها أرست مجموعة من النقاط التي ستبقى موضع متابعة في المرحلة المقبلة. فالمعركة الفعلية باتت تدور حول التفاصيل: من يراقب، وكيف يتحقق، وما الذي يسبق الخطوة الأخرى، وما المقابل لكل التزام. ومن هنا، فإنّ نجاح المفاوضات لن يُقاس بما إذا كان الطرفان قد توصّلا إلى تفاهم شامل، بل بقدرتهما على تحويل التفاهمات الجزئية إلى خطوات قابلة للتنفيذ، لأنّ أي تقدُّم في ملف الأسرى أو آلية التحقق أو الترتيبات الأمنية، يمكن أن يشكّل مدخلاً لتثبيت مسار أوسع، فيما قد يؤدّي أي تعثر إلى إعادة الملف برمّته إلى دائرة الضغوط والتجاذب.
لقاءات باول
في غضون ذلك، التقى مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول الذي يزور لبنان، كلاً من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، في حضور السفير البريطاني في لبنان هايمش كاول، وتمّ عرض للأوضاع في لبنان والمنطقة والمستجدات الميدانية، في ضوء مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على لبنان والجنوب، كما تناول البحث التحدّيات التي يواجهها لبنان اليوم، ومساعي وقف الحرب الدائرة في المنطقة. وتطرّق البحث إلى العلاقات الثانية بين لبنان والمملكة المتحدة.
الحزب لم يخرق
وفيما تواصلت الاعتداءات الاسرائيلية في الجنوب قصفاً وتدميراً وتفجيراً، أعلنت هيئة البث الإسرائيلية، أنّ الولايات المتحدة الأميركية أبلغت إلى إسرائيل أنّ «حزب الله» لم يرتكب أي خرق، وطالبتها بالامتناع عن الردّ. ونعى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الرائد هاريل بيرنستوك والرقيب أول تمير فاكنين اللذين قُتلا في انفجار مجدل زون أمس الاول، وقال إنّهما «سقطا في جبال لبنان دفاعًا عن مستوطنات الشمال ودولة إسرائيل». واعتبر «أنّ مواصلة تدمير البنى التحتية التابعة لـ«حزب الله» فوق الأرض وتحتها، والتمركز الدائم للجيش الإسرائيلي داخل منطقة أمنية واسعة وخالية من الجماعات المسلحة، يشكّلان خطوات ضرورية لضمان أمن سكان الشمال وشعورهم بالأمان». وشدّد على «ضرورة استمرار هذه الإجراءات حتى تفكيك «حزب الله» بالكامل، إلى جانب بقية الأذرع الإيرانية القريبة من الحدود الإسرائيلية».
إلى ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان أمس، «وصول نحو 15 مدنياً إسرائيلياً إلى منطقة الغجر، وألحقوا أضراراً بالسياج الحدودي، ثم عبروا الحدود إلى لبنان. وقد تمّ إرسال قوات من الجيش الإسرائيلي وشرطة الحدود الإسرائيلية إلى المنطقة لتحديد مكانهم وإعادتهم إلى إسرائيل». وقال: «تمّ تسليم المدنيين المحتجزين إلى الشرطة الإسرائيلية لاتخاذ الإجراءات اللازمة». وأضاف: «الجيش الإسرائيلي يدين بشدّة هذه الحوادث، ويطالب سلطات إنفاذ القانون بمحاسبة المتورطين ومنعهم من تكرار هذا الفعل، الذي يُعدّ جريمة جنائية».
«اليونيفيل»
إلى ذلك، صدر عن قوات «اليونيفيل» البيان الآتي: «يواصل حفظة السلام رصد الانتهاكات اليومية للأجواء اللبنانية والأنشطة العسكرية على الأرض. وقد سجّلت «اليونيفيل» يوم أمس إطلاق 113 مقذوفاً من قبل الجيش الإسرائيلي، وهو أعلى عدد يتمّ تسجيله منذ 21 حزيران.
وعلى رغم من أنّ حدّة العنف لا تزال أقلّ بكثير مما كانت عليه خلال الأشهر الماضية، فإنّ الوضع العام لا يزال هشّاً. يواصل حفظة السلام مراقبة التطورات والإبلاغ عنها إلى مجلس الأمن، والحفاظ على وتيرة عملياتهم، والتواصل مع الأطراف للمساعدة في خفض التوترات. يبقى الالتزام بالقرار 1701، إلى جانب الحوار والتنسيق، أمراً أساسياً لخفض التصعيد، وعنصراً رئيسياً لاستعادة الاستقرار الكامل في جنوب لبنان».
"الديار":
تــــترقــب المنطقة نتائج الاتفاق الايراني –العماني حول مضيق هرمز، وانعكاساته المفترضة على تنفيذ مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن. اما في جولة روما الثانية، فقد انتهت جولة التفاوض الى نتائج «صفرية»، المراوغة الاسرائيلية افشلت الجولة الجديدة، الاولويات بين الطرفين لا تزال متباعدة، اما التفاهمات المعلنة على بعض النقاط فهي تعكس اصرار الاسرائيليين على وضع «العربة امام الحصان»، لتضييع المزيد من الوقت. ميدانيا كانت قوات الاحتلال تكرس معادلة فصل المسار السياسي عن العسكري عبر استمرار التصعيد العنيف جنوبا، حيث شهدت الساعات القليلة الماضية توسيعا للاعتداءات التي لم تكن مادة للنقاش في العاصمة الايطالية، بعد اصرار وفد العدو على اعتبارها غير ذات صلة بعملية التفاوض!
واشنطن و«التفاوض للتفاوض»!
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر ديبلوماسية ان اعلان واشنطن عن نتائج مثمرة في جولة التفاوض في روما، لا يتوافق مع الواقع، لانه لم يتحقق اي تقدم في المسائل الرئيسية، ويبدو التوصيف الاميركي متسقا مع تسريبات اسرائيلية عن تراجع اهتمام واشنطن بالملف اللبناني، ترجم غيابا للضغط الجدي على رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو، ويبدو ان جلّ ما تريده الولايات المتحدة الان هو «التفاوض للتفاوض» باعتباره الانجاز المنشود في هذه المرحلة.
لا مبالاة إسرائيلية
وهكذا واجه الوفد اللبناني، لا مبالاة اسرائيلية بكل المطالب التي تم طرحها، ووفق مصادر مطلعة، كانت المراوغة سيدة الموقف عند طرح كل الملفات الرئيسية، فلا اتفاق على تثبيت وقف النار، ولا عودة الاهالي الى القرى، وكذلك لم يحصل اي توافق على آلية التحقق والقوة التي تتولى ذلك. ولم يحصل ايضا اي تقدم يذكر بخصوص «المناطق التجريبية»، فلا طرح الخيام او بنت جبيل لاقى قبولا اسرائيليا، ولا حتى زوطر الشرقية حيث تم رفض النقاش فيها، واصر وفد الاحتلال على عدم الحديث عن اي مناطق جديدة قبل الانتهاء من آلية التحقق. وهي ذريعة تتعمد «اسرائيل» الترويج لها، علما ان وزير الحرب يسرائيل كاتس سبق واعلن صراحة ان زوطر الغربية تعد آخر قرية سيتم الانسحاب منها.
نقاشات تفصيلية عقيمة!
وفي هذا السياق، تقول تلك الاوساط، بات واضحا ان الاسرائيليين يغرقون الوفد اللبناني بنقاشات حول تفاصيل هامشية غير مهمة، لتمرير الوقت، وابعاد المفاوضات عن القضايا الرئيسية، وهكذا يتم الغرق ساعات في نقاش مصطلحات تقنية وفنية، ويتم تضييع الوقت بدراسة خرائط لا معنى لها على ارض الواقع. فيما يتم فتح حوارات عن ترسيم الحدود فيما لا يوجد اي كلام عن جدول زمني للانسحاب من الاراضي المحتلة. اما ملف الاسرى الذي طرح للمرة الاولى في روما فادخله الاسرائيليون ايضا في متاهة لن تنتهي بعد ان قدموا لائحة لاشخاص يهود اختفوا في لبنان، وطالبوا بمعرفة مصيرهم، فضلا عن طرح ملف الطيار رون اراد المجهول المصير، ما يعني ان هذا الملف لن يجد طريقه الى اي خاتمة سعيدة.
عون ومسار التفاوض الطويل؟
وكانت جلسة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل عقدت في السفارة الاميركية في روما، وأفادت مصادر بعبدا بأن البحث تطرق الى ملف «الطرف الثالث»، وتم التوافق على لائحة مختصرة من الأسماء لاختيار الجهة التي ستتولى هذا الدور. كما اتُّفق على التوجّه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد يشكّل المرجعية للمرحلة التي ستلي مهمة قوات اليونيفيل. وأضافت المصادر أن المشاركين طرحوا الأول من أيلول موعدا أوليا لعقد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، على أن يُحسم الموعد النهائي في ضوء الاتصالات والتحضيرات الجارية. وفي الشق العسكري، أوضحت مصادر بعبدا أن الاجتماعات انتهت إلى اتفاق على المفاهيم والمصطلحات المرجعية التي ستنظّم آلية التعامل والتنسيق بين الأطراف الثلاثة، بما يضع إطارا موحدا للمسار التنفيذي في المرحلة المقبلة، ولفتت تلك المصادر الى انه لم يطرأ اي تقدم على مستوى المناطق النموذجية، وقالت ان جولة المفاوضات شهدت 3 اجتماعات متوازية عسكرية وسياسية واجتماعا قانونيا حدوديا، خلال الاجتماع العسكري تم البحث في الموضوع التقني للتشاور في المواضيع التقنية والمفردات والعبارات العسكرية، وأوضحت ان التصعيد في الجنوب لم يطرح على طاولة روما بل عبر الآلية المعتمدة منذ 27 تشرين. وفي السياق، وخلال تفقد رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الصحافيين خلال استراحة الغداء، قال: في المفاوضات لا نحصل دائمًا منذ البداية على كل ما نريده فهذا مسار طويل ولكن علينا الاستمرار فيه.
دعوة لوقف التفاوض
في المقابل، استهجنت كتلة «الوفاء للمقاومة» بشدة ما وصفته بـ«استمرار السلطة في انتهاج سياسة الخضوع والاستسلام والتفاوض المذل مع العدو الصهيوني الذي يُمعن قتلا وقصفا وتجريفا وتدميرا، فيما تتابع جلساتها مع ممثلي العدو في روما، غير آبهة بكل الخروقات والانتهاكات الجسيمة، وعدم التزام العدو بأي من موجبات وقف إطلاق النار».
التصعيد الميداني
ميدانيا، وعلى الرغم من اعلان هيئة البث الإسرائيلية أن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل أن حزب الله لم يرتكب أي خرق وطالبتها بالامتناع عن الرد، صعدت قوات الاحتلال اعتداءاتها، واستهدفت غارتان اسرائيليتان بلدة المنصوري قضاء صور. وألقت محلّقة إسرائيلية قنبلة صوتية على بلدة ياطر. فيما سيرت القوات الإسرائيلية دوريات مؤللة في منطقتي وادي السلوقي ووادي الحجير، تزامنًا مع إطلاق رشقات من الأسلحة الرشاشة باتجاه جانبي الطريق في المنطقة. وصعّد الجيش الإسرائيلي اعتداءاته، حيث شهد قضاء صور قصفا متواصلا، تخللته سلسلة غارات وقصف مدفعي.
نزوح… وعودة الجيش
ونفّذ الطيران المسيّر الإسرائيلي ثلاث غارات على حي الملعب في بلدة البرج الشمالي، أعقبها الطيران الحربي بغارة رابعة على الموقع نفسه، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص نقلوا إلى مستشفيات صور، في السياق نفسه، سجّلت «اليونيفيل» يوم إطلاق 113 مقذوفا من قبل الجيش الإسرائيلي، وهو أعلى عدد يتم تسجيله منذ 21 حزيران. و فيما سُجلت حركة نزوح من برج الشمالي باتجاه صور. دخلت وحدات من الجيش اللبناني وفرق الإسعاف إلى موقع الغارات في البلدة لإجراء عمليات الكشف الميداني واعلنت وزارة الصحة عن سقوط 8 جرحى في البرج...
كذلك حاول الجيش اللبناني العودة الى بلدة المنصوري إلا أن الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية وقطع الطرق حالا دون استكمال مهمته وانتشاره داخل البلدة، ومن المقرر ان يتم الامر اليوم.
تصعيد.. واستراتيجية الغموض!
هذا التصعيد الاسرائيلي المتعمد، بذريعة مقتل وجرح الجنود في مجدل زون، تعتبره مصادر مطلعة مجرد ذريعة تمهيدا لتوسيع الاعتداءات المتوقع ان تتصاعد مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في «اسرائيل» خدمة لاجندة رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو الذي تتراجع شعبيته في استطلاعات الراي. وتفيد المعلومات ان المستوى العسكري يطالب المستوى السياسي بتكثيف الهجمات على لبنان، وتوسيع نطاق العمليات العسكرية، إضافة إلى تنفيذ أهداف سبق أن أُرجئ استهدافها ضمن ما يُعرف بـ«بنك الأهداف»، علما ان التحقيقات التي يجريها جيش الاحتلال لم تتوصل الى نتائج واضحة حول طبيعة الكمين الذي وقع فيه الضباط والجنود، ولا معلومات حول طبيعة العبوة الناسفة سواء كانت جديدة او من مخلفات الحرب. في المقابل، يعتمد حزب الله استراتيجية الغموض الميداني، ولا يبدو ليس معنيا بتقديم اي معلومات حول تحركات المقاومة على الارض، ويرفض التعليق على الكثير من الاحداث القاتلة، لكن ما يهم عمليا ان قوات الاحتلال تبقى تحت الضغط وتدفع ثمن الاحتلال.
"نداء الوطن":
بين سابعَي آب 2001 و2025، أربعة وعشرون عامًا، والمعركة واحدة: مواجهة مشاريع الوصاية والسلاح الخارج عن الشرعية. ففي السابع من آب 2001، حاول النظام السوري، بمؤازرة أجهزة السلطة اللبنانية، إخماد ولادة الحركة السيادية التي انطلقت بعد مصالحة الجبل. وبعد أربعة وعشرين عامًا، عاد السابع من آب في العام 2025 ليحمل عنوانًا سياديًا مختلفًا، مع مساعي الدولة إلى تنفيذ قرارها بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، في مواجهة مشروع لا يزال يرفض الاعتراف باحتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم. من هنا، تواصل ميليشيا "حزب الله" رفع منسوب التحدّي لقرارات السلطة، والسعي إلى وضع العصي في دواليب تنفيذها. وفي السابع من آب 2026، يقف لبنان أمام مفترق خطير: إمّا أن تكون الدولة سيدة قرارها، فتستعيد سيادتها على كامل أراضيها، أو لا تكون، وتبقى رهينة سطوة الميليشيا.
إذًا، وبينما أنهى الوفدان اللبناني والإسرائيلي الجولة السابعة من محادثات روما، بعد ثلاثة أيام من النقاشات حول الحدود والأسرى والمناطق النموذجية وآليات تثبيت الاستقرار في الجنوب، يبقى الامتحان الحقيقي في الداخل اللبناني: هل تستطيع الدولة ترجمة قراراتها السيادية إلى وقائع ميدانية، أم أن منطق السلاح سيبقى قادرًا على تعطيل المؤسسات، كما عطّلت الوصاية السورية يومًا مشروع الاستقلال؟
عون متمسّك بخيار التفاوض
وفي هذا السياق، أكدت مصادر بعبدا لـ"نداء الوطن" الاستمرار في مسار المفاوضات، وأوضحت أن الحصيلة كانت حدوث تقدّم في ملفات عدّة، على الرغم من عدم القدرة على تحقيق خرق في المناطق النموذجية، إلا أن هذا الأمر لا يفسد المسار التفاوضي. وشدّدت المصادر على أن لبنان يراهن على الدور الأميركي لتثبيت وقف النار وتأمين الانسحاب. وأضافت أن الاتصالات بين بعبدا وواشنطن ستستمر تحضيرًا للجولة الجديدة من التفاوض، خصوصًا أن واشنطن هي الوحيدة القادرة على لجم أي اندفاعة إسرائيلية نحو التصعيد العسكري. وأكدت المصادر أن الرئيس عون متمسّك بخيار التفاوض، لأنه لا يريد للحرب أن تتجدّد.
توازيًا، وتعليقًا على اليوم الأخير من المفاوضات في روما، قال مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن" إنه، في المسار العسكري، أُنجز البحث في المفاهيم والمصطلحات المرجعية للتعامل بين الأطراف الثلاثة، وتم الاتفاق عليها. وتم إجراء مسح جغرافي على الخرائط للمنطقة المحتلة بشكل كامل، تمهيدًا لوضع جدول تسلسلي حول المناطق النموذجية، ولم يتم الانتهاء من البحث في هذا الموضوع بانتظار جواب المستوى السياسي. وأوضح المصدر أنه تم تبادل لوائح أولية للأسرى، مع إصرار لبناني على إطلاق أول دفعة من الأسرى بأسرع وقت. ولفت إلى أنه استُكمل البحث في موضوع الطرف الثالث المسؤول عن التحقّق، وتم التوصل إلى لائحة مختصرة للاختيار منها في المرحلة المقبلة. وكشف المصدر عن أنه تم الاتفاق على اللجوء إلى مجلس الأمن للبحث عن قرار جديد يشكّل مرجعية أممية لمرحلة ما بعد "اليونيفيل". ولفت إلى أن لبنان تلقّى وعدًا من الجانب الأميركي بالحصول على إجابات حول موضوع وقف إطلاق النار. وقال إنه تم البحث في العمل على اتفاق أمني جديد يحكم الوضع على الحدود، والبحث في المرجعية القانونية له، إن كان عبر الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة. وأضاف أنه لم يتم التوصل إلى نتائج ختامية في موضوع المناطق النموذجية، حيث يصرّ لبنان على الانتقال إلى مناطق جديدة، فيما يصرّ الجانب الإسرائيلي على "التحقّق" في المنطقتين الأوليين قبل الانتقال إلى المرحلة المقبلة. وختم بالقول: تم طرح تاريخ الأول من أيلول موعدًا لجولة جديدة من المفاوضات، على أن يتابع الجانب الأميركي البحث مع الطرفين بشكل منفصل في جميع المسارات، إلى حين تعيين تاريخ جديد.
وبحسب المصدر، كان اليوم الثاني من المفاوضات قد شهد زخمًا تفاوضيًا متزايدًا، رغم تأخّر انطلاق الجلسات ساعة كاملة عن الموعد المحدّد، نتيجة أسباب أميركية مرتبطة بعدم استكمال الاتصالات الموازية التي كانت واشنطن تجريها مع الجانب الإسرائيلي قبل الانتقال إلى طاولة التفاوض.
وأوضح المصدر أن الاجتماعات اعتمدت آلية عمل قائمة على ثلاثة مسارات متوازية انعقدت في التوقيت نفسه، بما عكس محاولة لتسريع البحث في الملفات المطروحة وعدم ربط تقدّم أي ملف بالآخر. وتناول المسار الأول، الذي ضمّ الوفود العسكرية، حصرًا المفاهيم المرجعية التي ستحكم العلاقة وآليات العمل بين الوفود الثلاثة خلال المرحلة المقبلة. وتركّز النقاش على توحيد المصطلحات والمفاهيم العسكرية والتقنية التي ستشكّل أساس العمل التفاوضي. وقد سجّل هذا المسار تقدّمًا وُصف بالإيجابي مقارنة ببقية الملفات.
وأضاف المصدر أن المسار القانوني والحدودي انصبّ بصورة أساسية على ملف الأسرى والمفقودين، انطلاقًا من مقاربتين متوازيتين. الأولى تستند إلى الأحكام التي يكرّسها القانون الدولي في ما يتعلّق بالأسرى وحقوقهم وآليات التعامل مع هذا الملف، فيما تمثّلت الثانية في تبادل اللوائح والمعلومات بين الجانبين. وبرزت خلال النقاشات تعقيدات لدى الجانب اللبناني، تتمثّل في غياب لوائح رسمية ونهائية تشمل جميع الأسرى والمفقودين، ما دفع الوفد اللبناني إلى اعتماد صيغة جامعة تقضي بإدراج جميع الحالات ضمن بند "المفقودين"، مع مطالبة الجانب الإسرائيلي بتسليم لائحة كاملة بالأشخاص الموجودين لديه أو الذين يملك معلومات عنهم. وفي المقابل، أثار الوفد الإسرائيلي ملف عدد من المواطنين اللبنانيين من الطائفة الإسرائيلية الذين فُقدوا خلال الحروب السابقة، وطلب البحث في إمكان كشف مصيرهم أو تحديد أماكن دفنهم، استنادًا إلى مطالبات تقدّمت بها عائلاتهم.
وأشار المصدر إلى أن المسار السياسي تناول نقطتين أساسيتين: الأولى ملف المناطق النموذجية، حيث بدأ النقاش بصورة جدّية في الخيارات الواسعة التي يطرحها الجانب اللبناني بشأن هذا الملف، وسط استمرار التداول في أكثر من صيغة وآلية محتملة، فيما تمحورت النقطة الثانية حول تجديد إعلان وقف إطلاق النار والتأكيد على الالتزام بمندرجاته، باعتباره مدخلًا ضروريًا للحفاظ على الاستقرار ومواصلة العملية التفاوضية.
وختم المصدر بالإشارة إلى أن حركة الاتصالات السياسية والدبلوماسية خارج طاولة روما لم تقلّ أهمية عن الاجتماعات الرسمية، إذ استمرت بوتيرة مكثّفة وفي مختلف الاتجاهات، وشملت الأطراف المعنية.
محادثات مثمرة
وفي المواقف، وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية، عبر "نداء الوطن"، المحادثات بالمثمرة على المستويين الفني والتقني. وقال: "اقتربت وجهات نظر الجانبين كثيرًا بشأن الخطوات اللازمة للمضي قدمًا في عملية المنطقة التجريبية وتوسيع نطاقها".
في السياق، وخلال تفقّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الصحافيين خلال استراحة الغداء، قال: "في المفاوضات، لا نحصل دائمًا منذ البداية على كل ما نريده. فهذا مسار طويل، ولكن علينا الاستمرار فيه".
وعلى وقع الغارات الإسرائيلية وعمليات التجريف وتفجير الأنفاق، اعتبر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن مواصلة تدمير البنى التحتية التابعة لـ"حزب الله" فوق الأرض وتحتها، والتمركز الدائم للجيش الإسرائيلي داخل منطقة أمنية واسعة وخالية من الجماعات المسلحة، يشكّلان خطوات ضرورية لضمان أمن سكان الشمال وشعورهم بالأمان.
وسط هذه الأجواء، رأس رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعًا خُصّص لمتابعة جهود العودة والتعافي في الجنوب. واطّلع الرئيس سلام من المجتمعين على المستجدات المتعلقة بسير الأعمال في المناطق الجنوبية، ولا سيما التقدّم المحرز في أعمال المسح والإجراءات الميدانية.
وستحضر مفاوضات روما على طاولة مجلس الوزراء، الذي يعقد جلسة اليوم في الثالثة من بعد الظهر في القصر الجمهوري، لمتابعة البحث في المستجدات السياسية والأمنية والإنسانية، إضافة إلى البحث في بنود عادية ومنتظمة وشؤون وظيفية.
توازيًا، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري هيئة مكتب المجلس إلى اجتماع في عين التينة، للتحضير لجدول أعمال جلسة مجلس النواب وعلى رأس الجدول إلغاء عقوبة الاعدام والعفو العام وقانون الاعلام.
الشيباني: المنطقة تتجه إلى إنهاء السلاح خارج الدولة
وفي موقف لافت لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان في العاصمة أنقرة، أكد أن المنطقة تتجه بوضوح إلى إرساء قاعدة وحيدة للاستقرار، قوامها إنهاء أي تشكيلات مسلحة خارج الإطار الشرعي. وقال: "لقد اتفقنا على دعم المساعي والخطوات التي يقودها الأشقاء في العراق ولبنان لتعزيز استقرار المنطقة".
الأنباء:
لا تبدو الأحداث المتلاحقة والتنقلات التي تعصف بالمنطقة ولا سيما التفجير الإرهابي الذي طاول المدنيين في مدينة جرمانا السورية، واستمرار أجواء التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مجرد محطات متفرقة، بل تعكس مساراً سياسياً وأمنياً واحداً تتداخل فيه محاولات فرض الوقائع الميدانية مع الجهود الدبلوماسية الساعية إلى احتواء الأزمات.
في سوريا، حمل التفجير الإرهابي الذي استهدف حافلة مدنية في مدينة جرمانا أكثر من رسالة، ليس فقط بسبب فداحة الجريمة التي أودت بحياة مدنيين وأوقعت عدداً من الجرحى، بل لأن توقيته جاء بعد ساعات من البيان الوطني المسؤول الذي أصدره مشايخ المدينة وأهاليها، مؤكدين تمسكهم بوحدة سوريا، ورفضهم كل أشكال التحريض الطائفي وخطابات الكراهية، ودعوتهم إلى تفعيل مؤسسات الدولة وسيادة القانون وتحقيق العدالة على الجميع دون استثناء.
وبين البيان والتفجير، تبدو الصورة واضحة؛ فهناك من يريد إعادة إنتاج الفوضى كلما اقترب السوريون من تثبيت معادلة الدولة، وهناك من يرى في الاستقرار السوري خطراً على المشاريع التي قامت طوال سنوات الحرب على الانقسام الأهلي والتوترات المذهبية.
إن استهداف جرمانا، بما تمثله من تنوع اجتماعي وثقافي وسياسي، ليس حادثاً معزولاً، بل يأتي في إطار محاولات ضرب النموذج الذي تسعى الدولة السورية إلى ترسيخه بعد أشهر من بدء المرحلة الانتقالية. فالمدينة كانت، ولا تزال، نموذجاً للتعايش والانفتاح، ولذلك فإن ضرب أمنها يحمل بعداً يتجاوز حدودها الجغرافية، ويستهدف مجمل مسار استعادة الاستقرار. إلا أن الموقف الذي عبر عنه أبناء المدينة قبل الجريمة وبعدها يوحي بأن الرهان على الفتنة لن يكون سهلاً، وأن الوعي الوطني بات أكثر قدرة على إحباط مشاريع التخريب مهما تنوعت أدواتها.
وفي سياق متصل، دان الحزب التقدمي الاشتراكي الانفجار داعيًا الأجهزة الأمنية السورية إلى كشف ملابسات هذا العمل الإرهابي. وفي بيان صادر عن مفوضية الإعلام، جدد "التقدمي" موقفه الثابت في دعم سوريا وإدانة محاولات العبث بأمنها واستقرارها وسلامة مكوناتها، مؤكدًا أن هذه المحاولات المكشوفة لن تنجح في النيل من وحدتها وأمنها. واعتبر "التقدمي" أن تلك الاعتداءات المشبوهة تتكرر كلما برزت فرصة للتقارب بين مكونات الشعب السوري، مسجلاً تحية للموقف الوطني الذي عبّر عنه أبناء جرمانا، الذين أكدوا الانتماء إلى الوطن والدولة ، ورفضوا أن تكون جرمانا صندوق بريد أو ساحة لتصفية الحسابات. وكان هذا الموقف قد صدر صباح الخميس في بيان عن أهالي جرمانا ومشايخها.
أما في الشأن اللبناني، فقد انتهت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما من دون تحقيق أي تقدم ملموس، على الرغم من محاولات واشنطن الإيحاء بأن المباحثات شهدت "اختراقات" على المستويات السياسية والعسكرية والحدودية. والواقع أن الملفات الأساسية بقيت على حالها، وفي مقدمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وآليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، إضافة إلى ملفات الأسرى والحدود والمناطق النموذجية.
ورغم أهمية استمرار الحوار وعدم انهياره، فإن التجربة تؤكد أن أي تقدم تفاوضي يبقى رهينة القرار الإسرائيلي. فتل أبيب ما زالت تتعامل مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع لا لإنهائه، وتسعى إلى فرض وقائع ميدانية تمنحها أوراق قوة إضافية على طاولة التفاوض، وهو ما ظهر بوضوح من خلال استمرار الغارات والتدمير الممنهج للقرى الجنوبية بالتزامن مع انعقاد جلسات روما.
ولعل التطور الأكثر أهمية أمس تمثل في المعطيات التي أكدت، وفق تقديرات أميركية وإسرائيلية، أن العبوة التي انفجرت في ناقلة الجند الإسرائيلية في مجدل زون كانت مزروعة قبل إعلان وقف إطلاق النار في حزيران الماضي، ما ينفي عملياً الرواية الإسرائيلية التي حاولت تحميل "حزب الله" مسؤولية خرق الاتفاق. وهذه المعطيات تسقط الذريعة السياسية والعسكرية التي استخدمتها إسرائيل لتبرير موجة العدوان الأخيرة، وتؤكد أن التصعيد الإسرائيلي لم يكن رداً على خرق جديد، بل قراراً مسبقاً يهدف إلى تكريس سياسة الضغط العسكري واستمرار الاحتلال ورفض الالتزام الكامل بمندرجات اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701.
ومن هنا، فإن ما يجري في الجنوب لم يعد مجرد ردود فعل متبادلة، بل يعكس محاولة إسرائيلية لإبقاء الجبهة مفتوحة، بما يسمح لها بالضغط على لبنان في ملفات التفاوض، وتأخير أي انسحاب من الأراضي المحتلة، والإبقاء على هامش واسع للتحرك العسكري. أما لبنان، فيتمسك بموقف واضح قوامه أن تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل يشكلان المدخل الطبيعي لأي ترتيبات سياسية أو أمنية لاحقة.
وفي الداخل اللبناني، تستمر الدولة في إرسال إشارات تؤكد أن الإصلاح لا يقتصر على الملفات الاقتصادية، بل يشمل أيضاً إعادة الاعتبار لهيبة القانون. وفي هذا السياق يندرج مشروع القانون الذي تقدم به عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب بلال عبد الله لفرض رسوم على تراخيص حمل الأسلحة الحربية واستعمال الزجاج الداكن، باعتباره خطوة تتجاوز بعدها المالي نحو تكريس مبدأ تنظيم حمل السلاح وتشديد الرقابة على المظاهر الأمنية الخارجة عن الضوابط القانونية. وهي مبادرة تنسجم مع الحاجة إلى تعزيز سلطة الدولة، وحصر الاستثناءات القانونية ضمن معايير واضحة، في وقت يطالب فيه اللبنانيون بدولة قوية قادرة على فرض القانون على الجميع.
وسط هذه الوقائع، تبدو المنطقة أمام مرحلة انتقالية دقيقة، تتقدم فيها السياسة خطوة وتتراجع خطوتين تحت ضغط الأمن والميدان. لكن الثابت أن مستقبل الاستقرار لن تصنعه البيانات المتفائلة ولا التصريحات الدبلوماسية، بل قدرة الدول على فرض سيادتها، واحترام الاتفاقات، ووقف الاعتداءات، وإغلاق الأبواب أمام مشاريع الفوضى والفتنة. وما بين جرمانا وروما وهرمز، يتضح أن معركة المنطقة في المرحلة المقبلة لن تكون فقط حول الحدود أو النفوذ، بل حول تثبيت الدولة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمعات وصون الاستقرار.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا