البسام عن رهيف فياض: لم تسحره العمارات البرجيّة ... قرأ في بنيانها اغتيالاً لروح بيروت

الرئيسية مقالات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Feb 08 26|13:25PM :نشر بتاريخ


كتبت الاعلامية مريم البسام في رثاء الدكتور رهيف فياض على صفحتها على فيسيوك:

عندما تمّ اختيار الدكتور وليد فيّاض وزيرًا للطاقة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، لم نكن نعرف عن هذا الرجل سوى أنّ صورته قد أتتنا مع (ألبوم صور )لوزراء «جغل» حلوين، وكأنّهم قد وصلوا للتوّ من محافلَ هوليووديّة.

ولدى البحث في «الإس» الجنائي والحسب والنسب، ورد الاسمُ الرهيف… الرهيبُ في تاريخٍ شاهقٍ وصامتٍ؛ المعماريّ الذي يشيّد مدنًا مع عقائدها، ويرفع من قيمة المبادئ في زمن الغشّ الذي يضرب أساساتها.

لقد نشأنا في الصِّبا، في شارع جبل العرب، مسقط رأس العمل، على أسماء شخصيّاتٍ ومفكّرين ونُخبٍ؛ منها التي تعرّفنا إليها عن قرب، ومنها من تصلك أخباره ونجاحاته دون لقاء.

ومن تلك الأسماء… كان رهيف فيّاض.

يساريٌّ وطنيٌّ ديمقراطيٌّ شيوعيٌّ، مهندسُ المعمار والآثار، وباني نهضة الفكر حجرًا على حجر.

شقعَ مداميكَ كتبٍ ومقالاتٍ تشهد على باطون رجلٍ مسلّحٍ بالنقوش التاريخيّة.

وكمن يهندس مدينةً مهجورةً، قارئًا في عمق زواياها وجروح أهلها المغادرين قسرًا، كان فيّاض رهيفًا في رسم «الإعمار الموجِع»، مشيرًا إلينا باللبَنَان  للـ«العمارة ووعي المكان».

تراه ناقدًا ناقمًا في شوارع المدينة، لكأنّه يغنّي أحمد قعبور ومحمد العبدالله:

«شوارع المدينة مش لحدا، مش لحدا
شوارع المدينة لكل الناس
رصيف البحر مش لحدا
رصيف البحر لكل الناس
ونحنا الناس».

رسم فيّاض النسيم الذي لا يناطح السحاب، واكتفى بمساحةٍ معماريّةٍ تشبه روابي الرحباني وصوت فيروز، حيث منازلنا:
«حمرا سطيحاتِك، حمرا كلّها رفوف عصافير
خضرا طرقاتِك خضرا، رح بتلفّك وتطير
وشبابيكِك يا ضيعة مضويّة ليل نهار
كل شباك وفي حلوة ووردة مليانة زرار».

لم تسحره العمارات البرجيّة، بل قرأ في بنيانها اغتيالًا لروح بيروت وتغيّرًا لوجهها المدنيّ؛ فنحن لسنا صحراء، ولا يحقّ لنا إقامة عازلٍ بيننا وبين البحر.. 
والأبراج المكتظّة المتلاصقة تفقدك الممرّ الهوائيّ، لكأنّما اقتربتَ من الاختناق.

ولعلّ أكثر معارك طواحين الهواء اندلعت في ساحة البرج، في وسط البلد، في بيروت المتأهّبة إلى إعادة إعمارها؛ فكان رهيف فيّاض محاربًا يصفع كلّ من أراد ردم تاريخ المدينة ووسطها التجاريّ «وانتزاع قلبه من مالكيه ومن سكّانه وشاغلي الدكاكين… والقلب لا يعمّره العابرون، فصار قلب بيروت هذا بلا قلب».

أجرى فيّاض مسحًا للسراي الحكوميّة الكبيرة، وأخبرنا حكايات قربها من الناس في الزمن القديم. ساهم في عودة الضاحية الجنوبيّة شموسًا بعد عدوان تمّوز ٢٠٠٦، وغاب اليوم عن بنيانٍ معماريٍّ شاهقٍ، وعن عمرٍ قضاه في إعادة الإعمار.

فإلى وليد فيّاض: كان لك أبٌ من خرَساتٍ صلبةٍ لم يلوّثها هواء وفساد مدن.

أحببنا هندساتِه المعماريّة  كحبّنا لأغنية فيروز، وورود شبابيكها الحمرا: نوشوشها ونداريها ونسألها عن عمرا…

تعبان… لا تسأل يا قلب وتمهّل
رح بتطلّ من الشباك، الوردة تقول تفضّل…

رهيف فيّاض، وردةٌ في مدننا، تزهر من السماء.

رحمه الله .

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan