افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الأربعاء 26 أغسطس 2026

الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Aug 26 26|06:29AM :نشر بتاريخ

"النهار": أثارت موجة العمليات التصعيدية الإسرائيلية الواسعة في الجنوب في الساعات الأخيرة مخاوف متزايدة من اقتراب الوضع الميداني من اندلاع المعركة، والتي تسعى إسرائيل عبرها إلى حسم سيطرتها على مرتفعات علي الطاهر وربما أبعد منها أيضاً. ولعل ما يعزّز هذه المخاوف أن أي تطوّر عملي جديد لم يطرأ في صدد تحديد مناطق تجريبية جديدة، بعدما بقيت التجربة الأولى يتيمة حتى الساعة، كما أن أي تطوّر يتعلق بالجولة التفاوضية الثامنة لم يظهر بعد، فيما يُخشى أن تشكّل التطورات المتصلة بالحرب الاقتصادية الأميركية على إيران عاملاً إضافياً من عوامل التعقيدات الإقليمية التي توثر على المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي. 

غير أنه وسط الأجواء الملبّدة هذه أثار الحيّز الذي خصص للبنان في البيان الفرنسي السعودي المشترك عقب زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لباريس، أجواء ارتياح واسعة لدى المسؤولين اللبنانيين ومعظم القوى السياسية، نظراً لما تضمّنه من مواقف حازمة تشدّد على تقوية الدولة اللبنانية ودعم الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في إعادة بناء مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها، ودعم الجيش اللبناني لتمكينه من بسط سلطته، مع التشديد على ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية وإعادة التركيز بشكل لافت على تنفيذ القرار 1701. 

وينظر إلى البيان بأنه تعبير قوي عن دعم الدولة اللبنانية شرطاً أساسياً لأي استقرار دائم. وهذا يعني عملياً دعم السلطة المركزية، وإعادة بناء المؤسسات التي تعرضت خلال السنوات الماضية للتراجع والشلل، وتمكينها من بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.

كما اتخذت الإشارة إلى ضرورة "انجاز عملية نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة" بعداً قوياً لجهة كونها رسالة مباشرة في مضمونها، وإن جاءت بلغة ديبلوماسية عامة، مفادها أن المرحلة المقبلة يجب أن تؤدي إلى وضع السلاح حصراً في يد المؤسسات الشرعية.

وعلمت "النهار" أن فرنسا وإيطاليا تجريان محادثات وتنسيقاً للبحث في إمكان مشاركتهما في ترتيبات ما بعد انسحاب "اليونيفيل"، فيما تؤكد مصادر فرنسية أن الإدارة الأميركية لن تغيّر موقفها الرافض لتمديد مهمة القوة الدولية بسبب رفض إسرائيل استمرارها.

الوضع الميداني في الجنوب

في غضون ذلك، تصاعدت العمليات الإسرائيلية في الجنوب بشكل لافت ونفّذت مسيّرة إسرائيلية غارة بصاروخ موجّه مستهدفة سيارة "فان" على طريق دوحة كفررمان، وارتطم الصاروخ بالأرض واصيب الفان بشظاياه.

وأفادت المعلومات أن العمليات الإسرائيلية استهدفت أمس قرى القطاع الغربي في قضاء صور، حيث شنّت الطائرات الإسرائيلية غارتين على بلدة المنصوري وغارة أخرى استهدفت وادي حسن في بلدة طيرحرفا، تزامناً مع عمليات تفجير واسعة في المنصوري ومجدل زون، فيما قصفت المدفعية الإسرائيلية بلدتي عيناتا وبيت ليف في قضاء بنت جبيل من العيار الثقيل 155 ملم. وكانت آليات عسكرية إسرائيلية توغّلت من بلدة حداثا لبلدة حاريص في قضاء بنت جبيل، ومشّطت بالأسلحة الرشاشة أطراف البلدة. وأفيد بعد ظهر أمس عن انفجار جسم في بلدة طيردبا من مخلفات الحرب ووقوع إصابة.

كما أغار الطيران الحربي مستهدفا بلدة المنصوري، ومنطقة وادي حسن الواقعة في أطراف بلدة طير حرفا جنوب شرق صور. وحلّق الطيران المروحي الإسرائيلي من نوع آباتشي في أجواء القطاع الشرقي بالتزامن مع تنفيذه لعملية تمشيط واسعة بالأسلحة الثقيلة. كما تعرضت بلدة بني حيان لقصف مدفعي بالتزامن مع تحركات لآليات الجيش الإسرائيلي في البلدة وتصاعد للدخان جراء الجرف والحرق. وحلقت مسيَّرة إسرائيلية فوق مدينة بعلبك وقرى الجوار على مستوى منخفض.

وكان الجيش الاسرائيلي قد نفذ قرابة التاسعة من صباح أمس تفجيراً كبيراً في بلدة زوطر الشرقية، تردّد صداه بشكل قوي في معظم البلدات الجنوبية. واستحدثت القوات الإسرائيلية في كفركلا وتل نحاس ساتراً ترابياً عند مثلث دير ميماس- برج الملوك- كفركلا، باتجاه تل نحاس، على بُعد نحو 150 متراً من المنازل المأهولة في بلدة برج الملوك.

الى ذلك، سجل بعيد منتصف ليل الاثنين- الثلاثاء توغّل قوة مؤللة اسرائيلية باتجاه تلة الصوّان في بلدة ميفدون، والتي تُعدّ ضمن الخط الأصفر، وتمركزت في أحد المنازل بالمنطقة.

واعتبر مصدر عسكري إسرائيلي أن المعركة مع "حزب الله" "لم تنتهِ بعد"، مشيراً إلى أن الحزب "تعرّض لأضرار كبيرة لكنه لا يزال قائماً كتنظيم". وأضاف أن إسرائيل "تفضل مساراً سياسياً يؤدي إلى نزع سلاح حزب الله"، معتبراً أن "الدولة اللبنانية هي الطرف المسؤول عن معالجة ملف سلاح حزب الله"، ومشيراً إلى التعويل على "مفاوضات بوساطة أميركية للتوصل إلى اتفاق بشأن سلاح الحزب".

وفي ما يتعلق بالعمليات العسكرية، قال المصدر: "نأمل ألا نضطر للعمل عسكرياً في عمق لبنان"، مضيفاً أن الهدف الإسرائيلي هو "منع حزب الله من استعادة قدرته على تهديد بلدات شمال إسرائيل". 

ترافقت هذه التطورات مع تكثيف المعطيات التي لا تستبعد اتّساع معركة علي الطاهر، متى حصلت، في اتجاه المناطق القريبة منها أيضاً. وفي تقارير جديدة في هذا الصدد نقل عن مصادر عسكرية لبنانية أن "حزب الله " بات يتعامل مع سيناريو أكثر خطورة، يقوم على انتقال إسرائيل بعد حسم المعركة هناك إلى جبل الريحان وإقليم التفاح والبقاع الغربي، مع احتمال محاولة الالتفاف على دفاعاته عبر جبل الشيخ بدلاً من التقدم بالطريق الأصعب".

وبحسب هذه المصادر، فأن القيادة العسكرية للحزب باتت تتعامل مع احتمال ألا تكون "علي الطاهر" نهاية العملية الإسرائيلية، وإنما بدايتها، خصوصا أن إسرائيل تركّز منذ فترة على ثلاثة نطاقات متصلة، هي إقليم التفاح، جبل الريحان، والبقاع الغربي.

في غضون ذلك، أكدت قوة "اليونيفيل" أن فرع الارتباط التابع لها لفضّ الاشتباك يشكّل عنصراً أساسياً في تسيير عدد من المهمات في جنوب لبنان، من عمليات البحث والإنقاذ ومرور قوافل المساعدات الإنسانية، إلى إصلاح البنية التحتية المدنية الحيوية وتسهيل تحركات وأنشطة اليونيفيل والجيش اللبناني. وأوضحت أن أهمية هذا الدور تتضاعف خلال فترات التوتر والتصعيد، كما برز عقب التصعيد الأخير، إذ يساهم فرع الارتباط في إبقاء قنوات التواصل والتنسيق مفتوحة بين مختلف الجهات الفاعلة على الأرض.

 

 

الديار:

تخطت المواجهة الأميركية مع إيران طبيعتها العسكرية والاقتصادية بالمفهوم التقليدي. هذه المرة، تضع واشنطن يدها على السلاح الذي يمكن أن تصل شظاياه إلى أبعد بكثير من طهران: الدولار والنفط والمصارف والتجارة العالمية.

العالم يترقب ما تستعد الإدارة الأميركية لإعلانه من حملة عقوبات استثنائية على إيران، بعدما كشفت المعلومات في واشنطن أن الخزانة الأميركية تتجه إلى توسيع دائرة العقوبات الثانوية بصورة كبيرة، في خطوة يراد منها وضع الدول والشركات والمصارف التي تتعامل مع طهران أمام خيار شديد القسوة: إيران أو النظام المالي الأميركي.

إنها المعركة التي بدأ الأميركيون أنفسهم يطلقون عليها تسمية «اليوم الاقتصادي الحاسم» أو «Economic D-Day».

وجاء المؤتمر الصحافي لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، مساء أمس، ليضع ملامح هذه المواجهة أمام العالم، بعدما تحدث عن حملة مالية واقتصادية واسعة هدفها زيادة عزلة إيران وتجفيف القنوات التي تسمح لها بالوصول إلى الأموال والأسواق الخارجية، في وقت تريد فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب تحويل الضغط الاقتصادي إلى أداة مركزية في المواجهة مع طهران.

وبذلك، ينتقل الصراع الأميركي ـ الإيراني إلى مستوى جديد. فبدلاً من الاكتفاء بملاحقة النفط الإيراني وشبكات الشحن والشركات الواجهة، تتجه واشنطن إلى ضرب الحلقة الخارجية التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالتنفس، عبر ملاحقة الأطراف الثالثة التي تشتري أو تموّل أو تنقل أو تسهّل التجارة الإيرانية.

وتتركز الإجراءات الأميركية على شبكة واسعة تبدأ من مشتري النفط الإيراني وناقليه، ولا تنتهي عند شركات الشحن والشركات الواجهة وسجلات السفن، مروراً بالمصارف والمؤسسات المالية ومكاتب الصرافة والتحويلات النقدية ومناطق التجارة الحرة والشبكات المستخدمة للالتفاف على العقوبات.

والرسالة الأميركية لا تتجه إلى طهران وحدها،الصين في قلب الاختبار، ودول المنطقة تراقب، وأسواق الطاقة تنتظر، والمصارف والشركات الدولية تحسب مخاطر كل خطوة، فيما يبقى مضيق هرمز النقطة الأكثر خطورة في معادلة المواجهة.

هل تستطيع واشنطن خنق إيران؟

السؤال اليوم يتشكل حول فكرة رئيسية: إلى أي مدى ستذهب واشنطن في خنق طهران؟

وتتركز الأنظار بصورة خاصة على الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني خلال السنوات الماضية. فقد تراجعت الشحنات الإيرانية المتجهة إلى الصين خلال آب، إلا أن تجارة النفط لم تتوقف، مع استمرار المصافي المستقلة وشبكات التجارة غير المباشرة في توفير منفذ لطهران.

وهنا يقع الاختبار الحقيقي للعقوبات الجديدة، فإذا ذهبت واشنطن إلى استهداف المؤسسات المالية والشركات الكبرى التي توفر الغطاء لهذه التجارة، فإن المواجهة قد تتحول إلى اختبار أميركي ـ صيني أيضاً.

فالضغط على المصافي الصينية شيء، والوصول إلى المصارف والمؤسسات المالية الصينية شيء آخر تماماً. وأي انتقال أميركي إلى المستوى الثاني سيعني أن إدارة ترامب مستعدة للمخاطرة بتوتر اقتصادي مع بكين من أجل إغلاق واحد من أهم المنافذ المتبقية أمام طهران.

وقد جاء الرد الصيني سريعاً، إذ أعلنت بكين أنها تتابع الإجراءات الأميركية وستتخذ ما يلزم لحماية حقوقها ومصالحها، ما يؤشر إلى أن المواجهة الاقتصادية الجديدة قد تصبح أوسع بكثير من حدود إيران.

أما طهران، فقد رفعت مستوى تحذيراتها إلى الدول التي قد تشارك في عزلها، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز والطاقة والمنشآت الإقليمية أوراقاً شديدة الحساسية.

السعودية وفرنسا: حل ديبلوماسي مع إيران

وفي خضم هذا التصعيد الأميركي، برز مساء أمس موقف مختلف من باريس والرياض.

فالبيان السعودي ـ الفرنسي المشترك، الذي صدر عقب لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في باريس، أكد التزام الجانبين بالعمل من أجل حل ديبلوماسي يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني.

ويكتسب هذا الموقف أهمية استثنائية في توقيته، إذ يأتي بالتزامن مع انتقال واشنطن إلى مرحلة جديدة من الحرب الاقتصادية على طهران، ومع ارتفاع سقف التهديدات الإيرانية بالرد.

وهكذا، وفيما تستخدم واشنطن أقصى أدوات الضغط المالي والاقتصادي، تتمسك باريس والرياض بإبقاء الباب الديبلوماسي مفتوحاً، في محاولة لمنع انتقال المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهة، لكن المفاجأة اللبنانية في البيان السعودي ـ الفرنسي كانت أكثر وضوحاً.

باريس والرياض: «تسوية نهائية» للنزاع في لبنان

فقد احتل لبنان حيزاً أساسياً في البيان المشترك، في موقف سعودي ـ فرنسي لافت من حيث مضمونه وتوقيته، واتفق الجانبان على تكثيف جهودهما من أجل التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان، على أن تشمل هذه التسوية تقوية الدولة اللبنانية ومؤسساتها والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه.

ولم يكتفِ البيان بالمبادئ العامة، فقد شددت السعودية وفرنسا على «أهمية التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، وعلى ضرورة استكمال نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة»، بالتوازي مع التشديد على ضرورة انسحاب «إسرائيل» من كامل الأراضي اللبنانية.

وبذلك، وضعت باريس والرياض عناصر التسوية في سلة واحدة: دولة لبنانية أقوى، مؤسسات قادرة، تنفيذ كامل للـ1701، حصرية السلاح بيد الدولة، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.

ويكتسب استخدام عبارة «التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان» أهمية سياسية خاصة، إذ يعكس رغبة سعودية ـ فرنسية في الانتقال من إدارة الأزمة اللبنانية إلى محاولة إنتاج حل أكثر شمولاً، في وقت لا تزال فيه المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تواجه عقداً ميدانية وسياسية، وفي مقدمها ملف الجنوب وتلة علي الطاهر.

كما أن التشديد المتزامن على نزع سلاح الجماعات المسلحة وانسحاب «إسرائيل» يعكس محاولة باريس والرياض وضع الالتزامات اللبنانية والإسرائيلية ضمن إطار واحد، بحيث لا تكون التسوية قائمة على مطالبة لبنان وحده بخطوات، وإنما على انسحاب إسرائيلي كامل في المقابل.

ويعيد البيان فرنسا والسعودية بقوة إلى قلب الملف اللبناني، في وقت تتوزع فيه الأدوار الدولية والإقليمية بين واشنطن التي تقود المسار التفاوضي، وروما التي تدخل على خط الترتيبات الأمنية وما بعد اليونيفيل، والرياض وباريس اللتين تطرحان إطاراً سياسياً أشمل للتسوية.

الإمارات إلى بيروت... هذه المرة بالاستثمار

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهة الإقليمية، يستعد لبنان لاستقبال واحدة من أهم الزيارات الاقتصادية الخليجية منذ سنوات، ففي 26 و27 آب يصل إلى بيروت وفد اقتصادي إماراتي كبير برئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، يضم نحو 70 من رجال الأعمال وممثلي الشركات الإماراتية من قطاعات مختلفة. فالوفد يأتي لاستكشاف فرص الاستثمار والشراكة مع القطاعين العام والخاص، وبحث اتفاقات مع مؤسسات وشركات لبنانية، وسط معلومات عن اهتمام إماراتي أيضاً بالخدمات والبنى المرتبطة بالمطار والمرافئ والمعابر الحدودية.

وتكتسب الخطوة معناها السياسي والاقتصادي من توقيتها. فبعد سنوات من التراجع الخليجي عن لبنان، تتحرك أبوظبي اليوم في اتجاه بيروت عبر إعادة فتح قنوات العلاقة، وعودة الإماراتيين إلى لبنان، ثم انتقال رجال الأعمال والشركات إلى بيروت للبحث عن الفرص.

هل بدأت عودة رأس المال الخليجي إلى لبنان؟

مصادر متابعة ترى أن أهمية الزيارة تكمن في الرسالة التي تحملها. فدخول الإمارات مجدداً إلى السوق اللبنانية يمكن، إذا توافرت الضمانات والاستقرار والإصلاحات، أن يشجع مستثمرين خليجيين آخرين على إعادة النظر في لبنان، ولا يمكن فصل هذه الحركة الإماراتية عن المناخ الخليجي الأوسع تجاه لبنان.

ففي اليوم نفسه الذي تضع فيه السعودية وفرنسا في بيانهما المشترك تصوراً سياسياً لـ«تسوية نهائية» في لبنان، تستعد أبوظبي لإرسال عشرات رجال الأعمال إلى بيروت، أي أن المشهد يحمل مسارين متوازيين: غطاء سياسي سعودي ـ فرنسي لإعادة تثبيت الدولة، وحركة إماراتية اقتصادية لاختبار إمكانية إعادة لبنان إلى الخريطة الاستثمارية الخليجية.

علي الطاهر... الاختبار لم ينتهِ

أما جنوباً، فلا تزال تلة علي الطاهر تختصر أزمة التفاوض بأكملها. فالضغط الإسرائيلي مستمر، فيما تحاول واشنطن إبقاء المسار التفاوضي قائماً ومنع انتقال الخلاف حول التلة إلى مواجهة أكبر. وعليه، أصبحت تلة علي الطاهر اختباراً لقاعدة «خطوة مقابل خطوة» التي تحاول واشنطن البناء عليها، وفشل اختبار علي الطاهر يعني أن السؤال بات ما إذا كانت هذه المفاوضات لا تزال قادرة أصلاً على منع عودة الميدان إلى الواجهة، أما نجاحه، فيمكن أن يفتح الباب أمام توسيع نموذج «خطوة مقابل خطوة» إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى صيغة أكثر شمولاً تلتقي مع ما تحدث عنه البيان السعودي ـ الفرنسي من «تسوية نهائية».

 

 

 "الأنباء" الالكترونية:

ما من مؤشرات توحي بانفراج قريب جنوبًا. أمّا في السياسة، فالسلطة الحالية في دولة العدو الإسرائيلي تستعد لاستحقاق انتخابي، وتستثمر الوقائع الميدانية على الجبهات لصالحها. وهذا التقاطع بين السياسة والميدان يطرح سؤالين أساسيين: ما مصير تلة علي الطاهر؟ وماذا بعدها؟

وإذ يستمر جيش العدو في عملياته العسكرية جنوبًا، لا تزال "علي الطاهر" تتصدر الواجهة، وسط مخاوف جدية من تفاقم الواقع الميداني، إذ باتت إسرائيل تحكم الخناق على محيطها ومداخلها وتصوّب عليها أسلحتها.

وعلى الخط السياسي، لم يُحدَّد بعد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات بين لبنان والعدو الإسرائيلي، برعاية أميركية في روما، في مؤشر إلى جمود أو غياب الوضوح حيال مستقبل عدد من الملفات ذات الصلة، على الرغم من الفصل بين المسارين التفاوضيين، اللبناني–الإسرائيلي والأميركي–الإيراني.

بعد "علي الطاهر"؟

طُرحت سيناريوهات عدة من أطراف مختلفة لنزع فتيل أزمة علي الطاهر، لكن "حزب الله" لم يوافق على تسلّم الجيش اللبناني الموقع، في وقت يصر فيه جيش العدو على الاستحواذ على هذا الموقع الاستراتيجي، سواء من حيث موقعه الجغرافي أو ما يحتويه من مخزون.

وبانتظار اتضاح النتائج الميدانية، سأل مصدر مراقب عبر "الأنباء الإلكترونية": هل تنتهي مهمة إسرائيل إذا سيطرت على علي الطاهر واحتلتها؟

إلى ذلك، صرّح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من الجنوب السوري، بأن "قوات الجيش الإسرائيلي تتواجد هنا وفي جميع أنحاء جبل الشيخ وهضبة الجولان، وفي كامل المنطقة الأمنية"، مضيفًا: "من هنا نطل على دمشق من الأعلى، ونطل على البقاع في لبنان، وعلى معاقل حزب الله، وبالطبع نطل ونحمي بلدات هضبة الجولان والجليل في مواجهة القوات الجهادية المتواجدة في الجانب المقابل"، على حد تعبيره.

ورأى المصدر في كلام كاتس مؤشرًا خطيرًا إلى ما قد يحصل في المرحلة المقبلة، معتبرًا أن العدو الإسرائيلي قد يتجه لاحقًا نحو تفكيك ما يُعرف بمنشآت جبال لبنان الشرقية والغربية عند الحدود السورية.

وأشار إلى أن ذلك قد يتم عبر أحد مسارين: الأول، الدخول من منطقة البقاع الغربي باتجاه البقاع الشرقي وعزل الجنوب اللبناني، وهو سيناريو يستبعده المصدر لصعوبته جغرافيًا وسياسيًا واستراتيجيًا وتكتيكيًا، ولا سيما بعد ضربة مطار أبو الظهور.

أما السيناريو الثاني، والأكثر ترجيحًا وفق المصدر، ففي حال أنجز العدو الإسرائيلي عملية علي الطاهر، يتمثل في الدفع نحو تفكيك خط الدفاع الثالث للحزب، أو ما يُعرف بـ"كتف البقاع"، عند مدخل الشوف ومنطقة كفرحونة–عرمتى وما يُعرف بنبع الطاسة.

واعتبر المصدر أن هذا المسار من شأنه إرباك "حزب الله"، لأنه لم يعد قادرًا على بناء منشآت جديدة في هذه المنطقة، مشيرًا إلى احتمال أن يلجأ العدو الإسرائيلي إلى تنفيذ إنزال كبير في منطقة سلسلة لبنان الشرقية، على غرار إنزال سابق، لتنفيذ ما يخطط له.

واستبعد المصدر أن تنجز إسرائيل عملية علي الطاهر قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وقبل الجولة الثامنة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لافتًا إلى أن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو يريد استثمارها في استحقاقه الانتخابي.

إلا أن المصدر حذّر مما وصفه بـ"المشكلة الخطيرة"، في حال وقع تطور ميداني في علي الطاهر أدى إلى استهداف ضباط أو عناصر من الحرس الثوري الإيراني في الموقع، أو دخلت إسرائيل إليه، وقررت إيران الرد بصواريخ باليستية أو بأي عمل عسكري آخر. عندها، وفق المصدر، قد تسقط كل التفاهمات، ويأتي رد إسرائيلي عنيف، وسط محاولة تحميل إيران مسؤولية خرقها، في وقت انتهت الهدنة بين واشنطن وطهران وتفرض الولايات المتحدة خناقًا اقتصاديًا على إيران.

خط الحجاز يعود إلى الواجهة

وفي موازاة المشهد الأمني والسياسي، فتحت زيارة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى دمشق ملفًا اقتصاديًا ولوجستيًا لا يقل أهمية، مع بحث إعادة تفعيل الربط البري والسككي بين لبنان وسوريا وفتح مسارات أوسع نحو العراق والأردن والخليج وتركيا.

وزار رسامني، على رأس وفد مرافق، العاصمة السورية، حيث كان في استقباله نظيره السوري وزير النقل يعرب بدر، في زيارة خُصصت لتعزيز التعاون في مجالي النقل البري والسككي وتطوير الربط بين البلدين.

وأكد رسامني أهمية الانتقال بالتعاون في قطاع النقل إلى مسار عملي يستند إلى المصالح المشتركة، وتطوير خيارات لبنان اللوجستية وتعزيز قدرته على الوصول إلى الأسواق الإقليمية، مشيرًا إلى أن تطوير هذا المسار من شأنه توفير خيارات أكثر فعالية للنقل، وخفض كلفته، وفتح آفاق أوسع أمام لبنان ومرافئه للتجارة والترانزيت.

ولفت إلى أن الرؤية تتجاوز الربط الثنائي إلى مسار إقليمي أوسع يتيح ربط لبنان، عبر الشبكة السورية، بالعراق والأردن ودول الخليج وتركيا، والاستفادة من موقع لبنان ومرافئه على شرق المتوسط في خدمة التجارة الإقليمية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل إقفال مضيق هرمز وعودة الأنظار إلى الخطوط البرية القادرة على توفير بدائل لحركة التجارة الدولية، فيما يتركز الهدف اللبناني على ربط مرافقه وشبكاته بخط الحجاز وتوسيع خيارات النقل والترانزيت.

كما تناولت الزيارة أوضاع المعابر البرية وسبل تطويرها وتسهيل حركة العبور. وأشار رسامني إلى أن معبر العبودية يتجه إلى إعادة فتحه خلال نحو أسبوع، بما يسهم في تخفيف الضغط والازدحام عن المعابر الأخرى، كما تناول البحث مشروع تطوير معبر المصنع ومتطلبات تأمين التمويل اللازم لتنفيذه.

زياد شيا: خطوات سريعة

وأوضح المدير العام للمؤسسة العامة لسكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا، في حديث لـ"الأنباء الإلكترونية"، أن الخطوات التي ستعقب الزيارة ستتم بوتيرة سريعة، مشيرًا إلى تشكيل لجنة لبنانية–سورية مشتركة، يمثل فيها الجانب اللبناني شخصيًا، فيما يمثل الجانب السوري المدير العام للنقل.

ولفت شيا إلى أن مهمة اللجنة تتمثل في ترجمة ما تم الاتفاق عليه، من خلال جولة ميدانية على خط المشروع من طرابلس إلى العبودية، ولا سيما منطقة العبودية من الجانب السوري، وصولًا إلى العكاري وحمص، كاشفًا أن الجولة الميدانية مقررة، كحد أقصى، الأسبوع المقبل.

أما المسألة الأخرى التي جرى الاتفاق عليها، وفق شيا، فهي عقد اجتماع لمناقشة كل التفاصيل ذات الصلة بإسهاب، مشددًا على أن الجانبين اللبناني والسوري يعتبران المشروع مشروعًا مشتركًا، لما يشكله تنفيذه من مصلحة للدولتين على المستويات الاقتصادية والتجارية والسياسية.

حل "قسد": خطوة في اتجاه حفظ وحدة الأراضي السورية

وعلى خط إقليمي آخر، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي حلها واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية. وأكد انتهاء مهمة "قسد" وحلها كقوة عسكرية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون انتقالًا من ساحات المعارك إلى ساحات البناء.

وشدد عبدي على أن الهدف هو بناء سوريا جديدة لجميع أبنائها، من عرب وكرد وتركمان وآشوريين، وأن تكون سوريا موحدة تحمي مستقبل أبنائها وتؤمن حياة كريمة لأطفالها، مشيرًا إلى أنه لمس موقفًا من الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حق التعليم باللغة الكردية.

بدوره، وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية بأنه تطور "تاريخي بكل المقاييس"، مؤكدًا أن ملامح سوريا موحدة بدأت تتبلور.

وقال براك إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط تمضي قدمًا، مع انتقال شريك لواشنطن إلى إطار وطني سوري موحد، مضيفًا أن قيادة ترامب فتحت الطريق أمام الاندماج المنظم لقوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة.

وأشار إلى الاعتراف باللغة الكردية في التعليم، وضمان أدوار وصفها بالجوهرية لمظلوم عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد داخل الحكومة السورية.

وختم براك بالقول: "جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة".

 

 

"نداء الوطن":

يقترب موعد الجولة الجديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في روما برعاية أميركية، مطلع شهر أيلول المقبل، ولكن من دون تحقيق أي تقدم ملموس حتى الآن، سواء بالنسبة للمناطق التجريبية الجديدة أو لآلية التحقق، وذلك في ظل استمرار التصعيد الميداني جنوبًا، بالتزامن مع مشاورات واتصالات مستمرة بشأن القوة الدولية التي ستخلف قوات "اليونيفيل" بعد انتهاء مهمتها نهاية العام الحالي.

وفي هذا الإطار، أشارت تقارير صحافية الى أن إيطاليا اقترحت تشكيل قوة متعددة الجنسيات أصغر حجمًا ومصرّحًا بها من الأمم المتحدة، لتحلّ محلّ "اليونيفيل"، بحيث تركز هذه القوة على دعم الجيش اللبناني وحماية المدنيين، ومساندة آلية وقف إطلاق النار التي ترأسها الولايات المتحدة وأي ترتيبات مستقبلية لنزع السلاح، وتسهيل خفض التصعيد بين إسرائيل ولبنان، فضلاً عن مراقبة الانتهاكات والإبلاغ عنها.

وتهدف الخطة إلى الحفاظ على وجود أمني دولي في جنوب لبنان مع نقل المسؤولية الرئيسية إلى الجيش اللبناني، إلا أن معلومات خاصة بـ"نداء الوطن" قالت إن نجاحها يعتمد على حسم مسائل عالقة تتعلق بهيكل القيادة، وحجم القوات، وقواعد الاشتباك، والتمويل، وسلطة التحقق، ومدى إمكانية إعادة تفعيل آلية وقف إطلاق النار المعلقة منذ شهر آذار.

رسالة دعم إماراتية

وبانتظار حسم هذه المسألة في الأسابيع القليلة المقبلة، حصل لبنان على رسالة ثقة عربية جديدة من خلال زيارة مرتقبة في الساعات المقبلة لوفد إماراتي ضخم إلى بيروت.

وفي هذا السياق، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام اتصالاً هاتفيًا بنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحد .الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نوّه خلاله بأهمية زيارة الوفد الإماراتي الذي يضم نحو 80 رجل أعمال ومستثمراً من قطاعات مختلفة، برئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وما تحمله هذه الزيارة من تأكيد على استعادة الثقة بلبنان بين أشقائه العرب، ومن فرص لتعزيز التعاون وتمكين الشراكة بين لبنان ودولة الإمارات في مختلف المجالات.

هذا ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية عن بن زايد إشادته، خلال الاتصال الهاتفي، بالجهود التي تقوم بها الحكومة اللبنانية لترسيخ أمن لبنان واستقراره، وسيادته ووحدة أراضيه، مؤكداً دعم دولة الإمارات الكامل لهذه الجهود ووقوفها الدائم إلى جانب الشعب اللبناني، بما يسهم في تحقيق تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار المستدام.

بدوره، أشار مصدر مطلع لـ"نداء الوطن" إلى أنه يتوقع أن تعود الزيارة بنتائج إيجابية ومثمرة جدًّا على القطاع الاقتصادي في لبنان، كون الوفد يضمّ عددًا من أبرز القيادات الاقتصادية وكبار رجال الأعمال في الإمارات، لذا تأمل الجهات المعنية أن تتوّج هذه الزيارة باتفاقات تعاون ومشاريع مشتركة في أكثر من مجال، بما يعزّز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ويفتح فرصًا عدة للتعاون والاستثمار، خصوصًا إذا ترافقت هذه الخطط مع استقرار أمني وسياسي في لبنان.

على خط مواز، قال مصدران مطلعان لوكالة "رويترز" إن الولايات المتحدة الأميركية بدأت إعادة موظفين إلى بعض بعثاتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط التي سبق وأجلتهم منها أو خفضت أعدادهم فيها، ما يشير إلى أن واشنطن ترى تراجع مخاطر تصعيد الصراع مع إيران في المدى القريب.

وأضاف المصدران أن البعثات في لبنان وإسرائيل والسعودية وبغداد من بين المواقع التي سيعود إليها الموظفون، وأنه سيسمح أيضا لأفراد أسر الموظفين بالعودة إلى البعثة الأميركية في الرياض.

عبدي يحلّ "قسد"

في الغضون، وعلى الجانب السوري، برز تطوّر لافت على خط ملف أكراد سوريا، وجاء بعد يوم من إعلان واشنطن رفع سوريا عن لائحة الدول الراعية للإرهاب، وهو تصنيف اعتمدته منذ 47 عامًا.

فقد أعلن قائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي، خلال لقاء الرئيس أحمد الشرع في القصر الرئاسي في دمشق، حلّ "قسد" كقوة عسكرية مستقلة، بعد "انتهاء مهمتها"، في خطوة تطوي صفحة بارزة من تاريخ الأكراد الذين تصدّوا لتنظيم "داعش" خلال سنوات الحرب. ويشمل ذلك حلّ الإدارة الذاتية وكل التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية.

أيضًا، في الشأن السوري، دانت وزارة الخارجية والمغتربين، دخول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الأراضي السورية، معتبرة الخطوة انتهاكًا سافرًا لسيادة البلاد.

وكان كاتس قد جدّد خلال الجولة، تأكيده بأن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة العازلة في جنوب سوريا. وقال: "لن نتحرك من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ما دامت هناك تهديدات جهادية لدولة إسرائيل"، ووجه رسالة إلى الشرع قائلاً: "عندما تستيقظ في الصباح في القصر بدمشق وتنظر إلى جبل الشيخ وترى الجيش الإسرائيلي، ستعرف أننا هنا للدفاع عن بلداتنا وحدودنا".

 

 

"الشرق الأوسط":

كشف مصدر سياسي معنيّ بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في ضوء ما انتهت إليه الجولة السابعة، عن أن واشنطن تتريث في تحديد موعد لرعايتها الجولة الثامنة؛ إفساحاً في المجال أمام تهيئة الأجواء لأن تكون مثمرة بإحداث تقدُّم للتأسيس عليه لإخراجها من المراوحة تسهيلاً لاستكمال تطبيق «اتفاق الإطار»، وهذا ما يفسر، حسب قوله لـ«الشرق الأوسط»، تكثيف مشاوراتها مع إسرائيل التي لم تعد تقتصر على الاتصالات المكوكية التي يتولاها رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، ما بين تل أبيب وبيروت لإخراج آلية التحقق من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية الأولى» من الدوران في حلقة مفرغة، والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه.

وأكد المصدر أن واشنطن تصر على ديمومة المفاوضات، وهي حددت مبدئياً مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل لانعقاد جولتها الثامنة للمرة الثالثة في روما، لكنها تربط تحديد موعدها بتحقيق خرق من شأنه أن يزيل العقبات، التي تعترض استكمال تطبيق «اتفاق الإطار» لئلا تنضم هذه الجولة إلى سابقتها التي طغى عليها الروتين ولم تحقق أي تقدُّم. وقال إن العائق الوحيد أمام إحداث خرق يكمن في عدم تجاوب إسرائيل، وهذا ما يفسر انخراط واشنطن إلى جانب الجنرال كليرفيلد في الجهود الرامية إلى «تنعيم» موقف رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو.

ولفت إلى أن ضغوط واشنطن على نتنياهو تتلازم مع عدم إعطائه الضوء الأخضر للسيطرة على تلال «علي الطاهر»، وإن كانت تبرر له مضيّه باتباع التمهيد الناري للضغط على «حزب الله» لإخلائها. وقال إن «التلال» من وجهة نظره أُدرجت كناخب أول في برنامجه الانتخابي لضمان عودته لرئاسة الحكومة.

ورأى أن نتنياهو يدير معركته الانتخابية انطلاقاً من سيطرته بالنار على معظم المداخل المؤدية إلى «التلال» ويعود له القرار بالسيطرة عليها في حال رجحت استطلاعات الرأي للناخبين كفّة خصومه في الانتخابات، مما يضطره للطلب من جيشه الإطباق عليها لعله يرفع من منسوب التأييد بالاقتراع للوائح التي يدعمها بالتحالف مع حلفائه.

قضم التلال

في المقابل ينظر مصدر وثيق الصلة بـ«الثنائي الشيعي» إلى أن نتنياهو يتّبع حالياً، وحتى إشعار آخر، سياسة قضم التلال والمواقع الاستراتيجية المحيطة بها، مستبعداً قيامه بإطباق السيطرة عليها ما دام الصراع بين طهران وواشنطن -كما قال لـ«الشرق الأوسط»- لا يزال تحت سقف تبادل الحملات بينهما ولم يتطور إلى تجدد المواجهة العسكرية التي تتيح له وضع يده عليها بضوء أخضر أميركي.

وأكد المصدر أنه لا يمكن قراءة ما سيؤول إليه الوضع على جبهة «التلال» بمعزل عن رهان نتنياهو على تجدد الحرب بين طهران وواشنطن مما يضطرها إلى الاستعانة به، رغم أنه، أي المصدر، يأخذ في الاعتبار الاختلال في ميزان القوى بين «حزب الله» وإسرائيل لمصلحة الأخيرة، وهذا ما يسمح لها بالسيطرة على «التلال»، إلا إذا أحسن الحزب التصرُّف في تقديره للوضع الميداني ووجد نفسه محشوراً على نحو يدفعه للتسليم بإخلائها للجيش، أو أن يودع ورقتها بعهدة رئيس المجلس النيابي نبيه بري، للتفاوض بالنيابة عنه، وإيجاد مخرج يشكل رافعة سياسية للضغط على إسرائيل للانسحاب تدريجياً من الجنوب وفق جدول زمني، إضافة إلى أنه يتيح لعون الاستقواء على إسرائيل في المفاوضات بعد تعهُّد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في اللقاء الذي جمعهما في واشنطن بتوفير كل الدعم له لإنقاذ لبنان.

في هذا السياق، قال المصدر المواكب للمفاوضات إن إخلاء «حزب الله» لـ«التلال» ووضعها في عُهدة الجيش أو الرئيس بري، سيوفّر لواشنطن أوراق الضغط على إسرائيل لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» ليكون في وسع عون الالتفاف على مناوئيه في الداخل، لرفع الضغوط التي يتزعمها الحزب لإحراجه بذريعة أن رهانه على الاتفاق لم يكن في محله ولم يعد أمامه سوى الانخراط في «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية، مع أنها ما زالت تتأرجح بين هبة باردة وأخرى ساخنة تحت ضغط ترمب بتوسيع دائرة العقوبات والحصار الاقتصادي على طهران.

اتصالات واشنطن و«حزب الله»

وأبدى المصدر ارتياحه للاتصالات التي جرت بين بيروت وواشنطن، وأدت إلى تطويق أي مفاعيل سياسية سلبية يمكن أن تترتب على قول عضو المجلس السياسي لـ«حزب الله» محمود قماطي، إن الأبواب ليست مقفلة أمام التواصل مع الأميركيين، لقطع الطريق على ذهاب البعض بعيداً في تقديرهم، بأن ما صرّح به يهدف لسحب «اتفاق الإطار» عن طاولة المفاوضات واستبدال «مذكرة التفاهم» به في ضوء نفي الإدارة الأميركية ما قاله السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، بأنْ لا حل في لبنان من دون «حزب الله» وإيران.

وقال إن اتصالات لبنانية مباشرة مع واشنطن، لم تمر عبر السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، أدت إلى الالتفاف على ما قاله برّاك، وأفضت إلى أنه لا بديل عن «اتفاق الإطار» وهي باقية على موقفها بإدراج «حزب الله» على لائحة الإرهاب ومواصلتها فرض العقوبات عليه، مما يعني أنه لا مكان لـ«مذكرة التفاهم» على طاولة المفاوضات، رغم أن قماطي لم يقل كلامه من باب الاجتهاد الشخصي، أو من دون أن يحظى بغطاء سياسي من قيادة الحزب ووقوفه على رأي «الحرس الثوري» الإيراني لإيداعه ورقة لبنان لتحسين شروطه في المفاوضات، بعدما ثبت أنْ لا سلطة للفريق السياسي في إيران عليه، وهو من يُمسك بالقرار، علماً بأن عيسى ليس على تناغم مع براك وهو باقٍ على تمسكه بموقفه بأن إنقاذ لبنان يبدأ بنزع سلاح «حزب الله» تطبيقاً لحصريته بيد الدولة.

آلية التحقق

وبالنسبة إلى تشكيل آلية التحقق من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية الأولى» تمهيداً لتوسعتها لتشمل مدناً وبلدات محتلة، فإنها تبقى الشغل الشاغل للجنرال كليرفيلد الذي يشكو من التباطؤ بتشكيلها، ويسعى للتغلب على كل ما يعوق تنفيذها، بالمعنى العملاني للكلمة، للانتقال إلى المرحلة التجريبية الثانية التي تتيح التحقق كالأولى من الانتشار، كما هو مرسوم، بمواكبة دولية على الأرض يُتفق عليها بين الدول الثلاث الموقعة على «اتفاق الإطار».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر مطلع أن نتنياهو ليس في وارد الموافقة على توسيع «المنطقة التجريبية الأولى»، وهو يبقي عليها معلَّقة إلى ما بعد الانتخابات، إلا إذا وافق «حزب الله» على إخلاء تلة «علي الطاهر» ونزع سلاحه. وهذا ما يعوق تشكيل آلية التحقق، لا سيما أن تسليط الأضواء على إيطاليا لعلها توافق على ترؤسها يواجه صعوبة مصدرها أولاً اشتراطها توفير الضمانات من إسرائيل و«حزب الله»، إلى جانب المعايير التي تتيح لها تحقيق ما هو مطلوب منها، إضافةً إلى أنها لا تحبّذ تكليفها بهذه المهمة التي هي في حاجة لتشريع من البرلمان الإيطالي، لأن انتداب فريق عسكري للقيام بمهمة خارج البلد تتطلب موافقته.

كما أن إيطاليا، حسب المصدر المواكب، لا تُبدي حماسة، رغم أن تكليفها برئاسة آلية التحقق تحظى بموافقة دول «اتفاق الإطار»، لأنها تخشى من استهداف فريق المراقبين التي هي على رأسه، فيما تستعد لإجراء الانتخابات لئلا تنعكس نتائجها سلباً على الحزب الحاكم. لذلك، تبقى آلية التحقق معلّقة على تدخل واشنطن.

 

 

"العربي الجديد":

صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي قبيل منتصف ليل الثلاثاء-الأربعاء، عدوانه على تلّة علي الطاهر في جنوب لبنان، مستهدفاً المنطقة بثلاث غارات، في حين واصل عمليات التفجير في بلدات الجنوب، كما استهدف فريقاً تابعاً للدفاع المدني في بلدة دير ميماس. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية، مساء الثلاثاء، بشنّ الاحتلال غارتين على المنطقة الواقعة بين مرتفع علي الطاهر وتلة الدبشة عند أطراف بلدة النبطية الفوقا، فضلاً عن غارة ثالثة على محيط حرج علي الطاهر لجهة حي الدير في النبطية الفوقا.

وتُعتبر تلّة علي الطاهر في جنوب لبنان، موقعاً استراتيجياً تستميت إسرائيل للسيطرة عليه ضمن خططها لتشكيل ما تصفه "الواقع الأمني" الجديد، فيما يرفض حزب الله التخلي عنه بسهولة، ولطالما خاض معارك كبيرة لتحريره منذ 1982. وبحسب معلومات "العربي الجديد" فإنّ التلّة تحظى بحيز واسع من النقاشات اللبنانية الأميركية، خاصة مع وجود خشية لبنانية من أن تؤدي المعركة عليها إلى اتساع رقعة العمليات العسكرية، بما يشعل الحرب من جديد.

وأفادت المعلومات، الاثنين، بأن "الرئيس جوزاف عون تواصل مع الأميركيين من أجل إيجاد حلّ لتلّة علي الطاهر، لقطع الطريق أمام أي انفلات للوضع، وطرح دخول الجيش اللبناني إليها بعد انسحاب عناصر حزب الله منها، وقد أطلع رئيس البرلمان نبيه بري على ذلك، خاصة أن هناك مخاوف لبنانية من احتلال إسرائيل التلّة وتنفيذها تفجيرات ضخمة فيها، ما سيكون له تداعيات على قرى محيطة بها".

الاحتلال يستهدف فريقاً للدفاع المدني

في الموازاة، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بتعرّض فريق من الدفاع المدني كان يحاول إخماد نيران أشعلها القصف المدفعي في بلدة دير ميماس جنوباً، لإطلاق نار من الاحتلال الإسرائيلي. وأشارت الوكالة إلى أن الفريق توجه، بعد موافقة لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية (الميكانيزم) إلى ديرميماس لإخماد حريق اندلع بعد ظهر اليوم بمحاذاة نهر الليطاني. وقالت إنه أثناء قيام الفريق بعمليات إخماد الحريق، أطلقت قوات الاحتلال النار باتجاه عناصر الدفاع المدني، من دون تسجيل إصابات، ما دفعهم إلى الانسحاب من المكان حفاظاً على سلامتهم. وذكرت الوكالة أن الحادثة تكررت ليل الاثنين أيضاً، حين أطلقت قوات الاحتلال ثلاث قذائف في محيط فريق الدفاع المدني أثناء قيامه بمرحلة تبريد الأرض عقب إخماد حريق، ما اضطر العناصر حينها أيضاً إلى وقف العمل والانسحاب.

ميدانياً أيضاً، أفادت الوكالة مساء الثلاثاء، باستهداف غارة إسرائيلية دوحة كفررمان، في قضاء النبطية، في وقت نفذ جيش الاحتلال تفجيراً كبيراً في بلدة الخيام، وتفجيراً آخر في بلدة مركبا. وواصل جيش الاحتلال طوال يوم الثلاثاء تصعيده في جنوب لبنان، منفذاً غارة على بلدة المنصوري في قضاء صور، في وقت ألقت مسيّرة تابعة له غالونات متفجرة على بلدة صربين، وفق الوكالة.
 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الصحف اللبنانية