افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026
الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Sep 30 26|06:37AM :نشر بتاريخ
"النهار":
إذا كان إلغاء الإضراب النقابي والعمالي أو تعليقه اليوم قد أراح السلطة مرحلياً من وطأة تحرّك اجتماعي ضاغط لا يُعرف متى يتحرك مجدداً، فإن ذلك لا يحجب الخطورة المتصاعدة للمعطيات المتصلة بالوضع في الجنوب، حيث يستمر تصعيد العمليات الإسرائيلية داخل "المنطقة الأمنية" وعلى تخومها، فيما لا تبلور التحركات والمواقف الديبلوماسية اللبنانية والأميركية الأخيرة، إمكانات حاسمة لإحداث اختراق محتمل أقلّه في الأسابيع المتبقية الفاصلة عن موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول المقبل.
وعلى أهمية الجولتين من اللقاءات التي أجراها رئيس الحكومة نواف سلام في نيويورك وواشنطن، فإن مفارقة لافتة برزت في الساعات الأخيرة وتمثّلت في رفع سقف المطالب اللبنانية من الولايات المتحدة الأميركية على ألسنة الرؤساء الثلاثة دفعة واحدة، بما عكس "وحدة" التخوّف لديهم من التطورات الجارية والمقبلة. وفي المقابل، فإن لبنان سمع بدوره رفعاً لسقف المطالب الأميركية التي تذكّر بالالتزامات اللبنانية، وكان أكثرها حدّة ما دعا إليه وزير الخزانة الأميركي لجهة حضّ لبنان على تعطيل الشبكات المالية لإيران و"حزب الله". وتترقّب الاوساط الرسمية عودة الرئيس سلام للوقوف بدقة على جوانب بارزة من لقاءاته، خصوصاً ما يتعلق فيها بالإجراءات لاستئناف تنفيذ الاتفاق الإطار الذي يبدو أن سلام سمع كلاماً مشجّعاً من وزير الخارجية الأميركي حيال إصرار بلاده على التزام رعاية تنفيذه، وربما يقترن ذلك بتحديد موعد للجولة الثامنة من المفاوضات خلال تشرين الأول وعدم ترحيلها الى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
ويشار إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أكد عقب لقائه الرئيس نواف سلام في واشنطن، دعم الولايات المتحدة للبنان في مساعيه لتطبيق الإطار الثلاثي، معتبراً أنه "السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم مع إسرائيل". وقال روبيو في منشور على منصة "أكس": "الولايات المتحدة تقف إلى جانب لبنان ذي السيادة والخالي من نفوذ حزب الله وإيران".
من جهته، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في منشور على منصة "أكس"، إنه ناقش مع الرئيس سلام ومع وزير المال اللبناني ياسين جابر الإصلاحات الرئيسية في القطاع المالي.
وأكد بيسنت "الحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران وحزب الله"، مشدداً على أهمية الإصلاحات الجوهرية في القطاع المالي لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني.
الاتفاق الإطار
أما سلام، فشدّد في كلمة ألقاها خلال عشاء تكريمي أقامته على شرفه سفيرة لبنان في واشنطن ندى حماده معوض، على أن "لبنان حسم خياره واختار التفاوض والديبلوماسية، وهو ما أفضى إلى الإطار الثلاثي الذي تم توقيعه هنا في واشنطن، لأننا نؤمن بأن هذا المسار يمكن أن يؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية، من خلال تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وضمان حصرية السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها". وأكد "أننا نعوّل على القيادة الأميركية. وهذا يتطلب أولاً وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي ولتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة. ويجب أن يتقدم هذان المساران بالتوازي. وثانياً، يجب وضع آلية موثوقة للتحقق من تنفيذ الالتزامات من الجانبين، وألا يتمكن أي طرف من الاستمرار إلى ما لا نهاية في التذرّع بعدم تحرّك الطرف الآخر لتبرير عدم تحركه". وقال: "لا يمكننا أن نسمح بأن يتحوّل الإطار الثلاثي إلى مسار آخر يكتفي بإدارة النزاع بدلاً من حلّه. نريده أن يغيّر الواقع على الأرض. نريده أن يحقق نتائج ملموسة. نريده أن ينجح".
ومساء امس التقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي في البيت الأبيض، نائب مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل نيدهم.
وفد الكونغرس في لبنان
في غضون ذلك، كان رئيس الجمهورية جوزف عون يبلّغ بدوره إلى عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر، اللذين يقومان بجولة في بيروت للبحث في ملف دعم الجيش اللبناني "أن لبنان يعلّق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية للضغط على إسرائيل لإلزامها تنفيذ اتفاق الإطار"، لافتاً إلى "أن إسرائيل لا تزال تمتنع عن التقيّد بمندرجات الاتفاق، على رغم أن لبنان ملتزم بتطبيقه التزاماً كاملا". واعتبر "أن أي تأخير في تنفيذ إسرائيل للاتفاق سيبقي التوتر في الجنوب ويحول دون تمكّن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها الجنوبية وإزالة المظاهر المسلحة وإعادة النازحين الجنوبيين إلى قراهم وبلداتهم". كما شدد على "أهمية توفير الإمكانات اللازمة للجيش اللبناني ليتمكن من بسط سلطة الدولة نظراً للمهام الواسعة التي يقوم بها خارج الجنوب، من مكافحة الإرهاب والتهريب وحفظ الحدود الشرقية والشمالية والمحافظة على السلم الأهلي وحماية المؤسسات".
واعتبر السناتور لحود "أن لبنان أمام فرصة لإعادة الاستقرار إليه وإلى المنطقة كلها ومن غير الجائز إضاعتها"، لافتاً إلى "أن الولايات المتحدة ملتزمة مساعدة لبنان وجيشه من خلال المساعدات العسكرية المستمرة التي تقدمها الإدارة الأميركية بموافقة الكونغرس".
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فأكد للوفد الأميركي نفسه "أن الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب هما الوحيدان القادران على ممارسة الضغط لإلزام إسرائيل وقف حربها على لبنان، والتي إن استمرت بالتأكيد سوف تجهض كل الجهود والمساعي التي تبذل لقيام الدولة ومؤسساتها بواجباتها على المستويات كافة". ونوّه بكل المساعدات التي تقدّم لدعم الجيش اللبناني. وأشار إلى أنه "ما زال هناك متسع من الوقت لتفادي ارتكاب خطيئة عدم التجديد لقوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان".
تعليق الإضراب العمالي
اما في المقلب الاجتماعي وكما كان متوقعاً، أعلن الاتحاد العمالي العام واتحادات النقل البري، تعليق الإضراب الذي كان مقرراً اليوم. وأعلن رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي النقيب شادي السيد في بيان "تعليق التحرك الميداني، بما في ذلك قطع الطرق، تجاوباً مع المساعي والمقترحات التي رافقت اجتماعات لجنة المؤشر والتواصل بين الاتحاد العمالي العام واتحاد النقل البري والوزارات المعنية".
وفي السياق، طالب وزير الطاقة والمياه جو الصدي "بإعطاء الأولوية للمواطن وقدرته على تحمّل الأعباء، فلا يجوز تحميله المزيد في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط عالمياً وانعكاساته محلياً". وأعلن انه سيطلب في جلسة مجلس الوزراء الخميس إلغاء رسم الـ300 ألف على المحروقات أو في الحد الأدنى تعليقه "خصوصاً أننا اعترضنا عليه منذ البداية. المطلوب اليوم هو التخفيف عن المواطنين".
"الأخبار":
يدخل العراق، اليوم، مرحلة أمنية وسياسية جديدة، مع اكتمال انسحاب القوات القتالية الأجنبية، وإنهاء المهمّة العسكرية لـ«التحالف الدولي»، والذي تصدّره الحكومة بوصفه استكمالاً لاستعادة القرار السيادي. وعلى الرغم من تأكيد الحكومة جهوزيتها لتولّي الملفّ الأمني بصورة كاملة، وحديثها عن أن الدور الميداني لـ«التحالف» خلال السنوات الأخيرة انحصر إلى حدّ كبير في الإسناد الجوي وتبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب، فإن الواقع يقول إن الاحتلال الأميركي لم يكن يكترث لحماية الأجواء العراقية، وإنما سخّر سيطرته عليها لفتحها أمام الطيران الإسرائيلي في العدوان على إيران، فضلاً عن أنه لم يحمِ البلاد من التوغّلات التركية، وشارك بنفسه في أوقات كثيرة في قصف مواقع لـ«الحشد الشعبي»، الذي يمثّل جزءاً من القوات الرسمية.
ويقول المتحدّث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، لـ«الأخبار»، إن «القوات العراقية استكملت خطط الانتشار والاستعداد للمرحلة الجديدة»، مضيفاً أن «الانتقال يتمّ من العمل تحت مظلّة التحالف، إلى علاقة تقوم على التكافؤ والشراكة». ويتابع أن «خططاً أمنية وُضعت بمشاركة مختلف المؤسسات، بالتوازي مع برامج لتطوير القدرات البشرية والفنية والتسليحية». وإذ يعرب النعمان عن اعتقاده بأن تنظيم «داعش» لا يشكّل حالياً خطراً مُحدِقاً بالوضع الأمني العراقي، فهو يتحدّث عن تعاقدات واتفاقات مع دول وشركات لتجهيز العراق بمنظومات دفاع جوي متطوّرة، بما يساعده في «حماية السماء والسيادة الوطنية».
مع ذلك، يرى مدير «مركز الغد للدراسات السياسية»، علي عبد الرزاق، أن مفهوم «يوم السيادة» يبقى منقوصاً في ظلّ التدخّل الأميركي في القرار السياسي العراقي، مشيراً، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الحكومة العراقية اكتفت بإعلان العطلة، ولم تَنظر إلى جوهر السيادة، التي لا تكتمل إلّا بإزالة الهيمنة الأميركية على الاقتصاد، والنفط، والمُقدّرات، والأموال العراقية الموجودة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي». ويعتقد عبد الرزاق أن «الولايات المتحدة، وإن أخرجت قواتها القتالية، فإنها تَدخل من باب آخر، عبر أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية، بما يُبقي العراق تحت الوصاية الأميركية»، مضيفاً أن «النفوذ الأميركي يمتدّ إلى علاقات واشنطن مع القوى السياسية العراقية، ودور سفارتها في بغداد كمقرّ للتجسّس، فضلاً عن الإرهاب الذي مارسته أميركا باستهداف القوات الأمنية وقصف إيران من الأراضي العراقية».
في المقابل، ينظر النائب في البرلمان العراقي، ثائر الكعبي، إلى الانسحاب باعتباره «محلّ فخر واعتزاز وثقة بقواتنا العراقية»، معتبراً أن هذا التطوّر «يبعث برسالة بأن العراق تعافى من التدخّلات الخارجية، ولم يعُد بحاجة إلى قوات أجنبية». لكنّ الباحث في الشأن السياسي، عباس العلي، يعتقد أن مرحلة ما بعد الانسحاب تحمل أسئلة أمنية وسياسية عدة، من بينها طبيعة التعاقدات المقبلة مع الأميركيين، وما إذا كانت ستبقى هناك قوات أو فرق استشارية، مشدّداً على أن تطوير القدرات العراقية، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي والسيطرة على الحدود، يمثّل استحقاقاً للدولة في المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه الشكوك في وقت ترفع فيه فصائل المقاومة سقف خطابها تجاه الحكومة؛ إذ على الرغم من اعتبارها انتهاء المهمة الأميركية خطوة في اتجاه «اكتمال السيادة»، لكنها، في الوقت نفسه، تضع الحكومة أمام اختبار آخر، يتعلّق بمدى استقلالية قرارها في ملفات ترتبط بالعقوبات الأميركية. وفي هذا الإطار، هدّد المسؤول الأمني والناطق باسم «كتائب حزب الله»، أبو مجاهد العساف، بـ«إسقاط» حكومة علي الزيدي إذا لم تعمل لمصلحة الشعب، ملوّحاً بإغلاق المنافذ الحدودية مع الدول التي تشارك في الحصار الجوي المفروض على إيران. كما توعّد بمراقبة الأجواء العراقية بعد الأول من تشرين الأول، محذّراً من عبور الطائرات المعادية. كذلك، هدّد الأمين العام لحركة «النجباء»، أكرم الكعبي، بالاعتصام في المطارات العراقية إذا لم تعُد حركة الطيران مع إيران إلى الانسيابية التي كانت عليها.
وكان أوقف العراق، خلال الأيام الماضية، الرحلات الإيرانية إلى مطاراته استجابةً للعقوبات الأميركية الجديدة، وهو ما أدّى إلى توقّف الحركة الجوية بين البلدَين. ومن ثمّ، جاء الاستثناء الخاص بالنجف ليكشف حدود هذا الاشتباك؛ إذ منحت وزارة الخزانة الأميركية، ترخيصاً للخطوط الجوية العراقية لتشغيل رحلات ركاب بين العراق وإيران عبر مطار النجف، بشروط صارمة، ولمدّة تنتهي في 28 تشرين الأول المقبل أو عند إتمام المعاملات المسموح بها.
وإلى جانب ملف العقوبات، تتحدّث مصادر قريبة من الفصائل عن أن مفهوم «السيادة» بالنسبة إليها لا يقتصر على إخراج القوات الأميركية، بل يشمل إنهاء أيّ وجود عسكري أجنبي في العراق، بما فيه الوجود التركي، ورفض أيّ هيمنة خارجية على القرار الاقتصادي. وبذلك، يبقى التحدّي أمام الدولة، هو تحويل شعار «السيادة» إلى قدرة فعلية على حماية الأرض والسماء، فيما يطرح استمرار التهديد بالعقوبات الأميركية واستخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على البلاد، تساؤلات جدّية حول حدود قدرة الأخيرة على التحكّم بمقدراتها وقراراتها الاقتصادية.
"الجمهورية":
أظهر الحراك والمواقف بين بيروت وواشنطن، أنّ لبنان يعوّل على الإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ «صيغة الإطار»، فيما أكّدت مصادر رسمية لـ الجمهورية»، أنّ الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة اللبنانية ـ الإسرائيلية ستُعقد مبدئياً خلال النصف الثاني من تشرين الاول المقبل، وذلك بعدما كان متوقعاً أن تُعقد في النصف الاول منه.
قالت مصادر سياسية لـ»الجمهورية»، إنّ لبنان الرسمي يتحرّك بنحو طارئ في واشنطن وعواصم القرار الأخرى، لمواجهة وضعية استنزاف شديدة الخطورة جنوباً، حيث تشير المعطيات إلى أنّ إسرائيل ليست في صدد التخطيط لأي انسحاب من جنوب لبنان في المدى المنظور، بل هي تمضي قدماً في تثبيت حزام أمني عازل داخل «الخط الأصفر»، وعلى الأرجح، ستتعمّد ترحيل الأزمة برمتها إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية والأميركية، أي إلى بدايات سنة 2027.
وتضيف المصادر، أنّ الوفد اللبناني إلى واشنطن، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، يواجه مواقف أميركية صارمة. فقد أظهرت اللقاءات، وخصوصاً مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ومسؤولي الإدارة، أنّ واشنطن تربط ملف الإنسحاب الإسرائيلي واستعادة التعافي المالي، بمدى قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة لسحب سلاح «حزب الله»، وتفكيك الشبكات المالية التابعة له ولإيران. وهذه الشروط الحازمة تضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار معقّد، حيث يُطلب منها إنجاز إصلاحات هيكلية في القطاع المصرفي، بالتوازي مع فرض حصرية السلاح، كشرط أساسي لاستعادة الثقة الدولية والمالية.
وتؤكّد المصادر نفسسها، أنّ الاستحقاق الأبرز الذي يواجهه الجنوب اللبناني يتمثل في اقتراب نهاية ولاية قوات «اليونيفيل»، في ظل رفض أميركي ـ إسرائيلي صريح للتمديد لها بشروطها الحالية، وعدم وجود صيغة دولية بديلة جاهزة حتى الساعة. وهذا الإنسداد حذّر منه رئيس مجلس النواب نبيه بري، المتمسك بضرورة الحفاظ على مظلة الأمم المتحدة لمنع الدخول في مرحلة «فراغ أمني» مطلق يستغله الاحتلال. وعلى رغم من الجهود الديبلوماسية المبذولة لطرح شبكات أمان بديلة، فإنّ فرضية الفراغ الميداني تبدو الأقرب إلى الواقع في المدى القريب، ما يترك الحدود بلا ضوابط دولية ضامنة.
تعويل على واشنطن
وفي السياق، أبلغ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر، اللذين التقاهما أمس، «انّ لبنان يعلّق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية للضغط على إسرائيل لإلزامها تنفيذ «اتفاق الإطار» الذي تمّ التوصل اليه نتيجة المفاوضات اللبنانية-الأميركية-الإسرائيلية التي عُقدت في واشنطن»، لافتاً إلى «أنّ إسرائيل لا تزال تمتنع عن التقيّد بمندرجات الاتفاق على رغم أنّ لبنان ملتزم بتطبيقه التزاماً كاملاً». وشدّد على «ضرورة وقف أعمال التفجير والجرف والتدمير في القرى الجنوبية التي تحتلها إسرائيل»، مشيراً إلى «انّ تفعيل «اتفاق الإطار» يقتضي العمل بسرعة على استكمال إعادة الأسرى اللبنانيين وتصحيح النقاط المختلف عليها على طول الخط الأزرق وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش فيها وصولاً حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً». واعتبر عون «أنّ أي تأخير في تنفيذ إسرائيل للاتفاق سيبقي التوتر في الجنوب ويحول دون تمكن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها الجنوبية وإزالة المظاهر المسلحة وإعادة النازحين الجنوبيين إلى قراهم وبلداتهم». ولفت إلى «أنّ التعاون الذي أبداه الجانب اللبناني لتنفيذ الاتفاق لم يلق في المقابل أي تجاوب من الجانب الإسرائيلي الذي يواصل عملياته العسكرية وتهديداته على رغم الدعوات المتتالية التي وجّهت إليه لتطبيق هذا الاتفاق، وخصوصاً وقف تدمير المنازل وجرفها وتغيير معالم البلدات والقرى الجنوبية المحتلة».
خطيئة يمكن تفاديها
وبدوره الرئيس بري، أكّد للحود وغوتهايمر «أنّ العائق الأساسي أمام تنفيذ إتفاق وقف الحرب على لبنان هو عدم التزام إسرائيل بموجبات كل الاتفاقات التي أُبرمت لإنهائها». وكرّر التأكيد أنّ الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب هما الوحيدان القادران على ممارسة الضغط لإلزام إسرائيل لوقف حربها على لبنان، والتي إن استمرت، بالتأكيد سوف تجهض كل الجهود والمساعي التي تُبذل لقيام الدولة ومؤسساتها بواجباتها على المستويات كافة. وأشار إلى أنّه لا يزال هناك متسع من الوقت لتفادي ارتكاب خطيئة عدم التجديد لقوات «اليونيفيل» المولجة تنفيذ القرار الأممي 1701»، مشدّداً على أهمية وجود مظلة أممية وتحت علم الأمم المتحدة، لأي قوة مساعدة للجيش اللبناني بعد الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وخلال لقائه نائب رئيس الحكومة طارق متري، الذي قدّم له تقريراً مفصّلاً وموثقاً عن الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل في جنوب لبنان، كرّر بري التأكيد «أنّ حق لبنان بملاحقة إسرائيل على جرائمها هو حق سيادي لا يجوز التنازل عنه بأي شكل من الأشكال».
ترجمة مبدأين
ومن جهته، رئيس الحكومة نواف سلام قال خلال عشاء أقامته سفيرة لبنان في واشنطن على شرفه، انّ لبنان «اختار التفاوض والديبلوماسية، وهو ما أفضى إلى الإطار الثلاثي الذي تمّ توقيعه هنا في واشنطن، لأننا نؤمن بأنّ هذا المسار يمكن أن يؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية، من خلال تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وضمان حصرية السلاح بيد الدولة على كل اراضيها. ويقوم هذا الإطار على مبدأين بنّاءين: التبادلية والمرحلية. لكن لكي نتقدّم، علينا أن نترجم هذين المبدأين إلى خطوات عملية. وهنا نعوّل على القيادة الأميركية. وهذا يتطلب:
أولاً، وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي ولتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة. ويجب أن يتقدّم هذان المساران بالتوازي.
ثانياً، يجب وضع آلية موثوقة للتحقق. آلية تضمن التحقق من تنفيذ الالتزامات من الجانبين، وألّا يتمكن أي طرف من الاستمرار إلى ما لا نهاية في التذرّع بعدم تحرّك الطرف الآخر لتبرير عدم تحرّكه.
ثالثاً، علينا حشد الشركاء الدوليين لدعم الحكومة بصورة فاعلة في إعادة بناء البلاد، وإصلاح البنى التحتية، واستعادة النشاط الاقتصادي، وكما ينص الإطار، تمكين النازحين من العودة».
وختم سلام بالقول: «لا يمكننا أن نسمح بأن يتحول الإطار الثلاثي إلى مسار آخر يكتفي بإدارة النزاع بدلاً من حلّه. نريده أن يغيّر الواقع على الأرض. نريده أن يحقق نتائج ملموسة. نريده أن ينجح».
مع وزير الخزانة
والتقى سلام وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، وتمّ خلال اللقاء البحث في العلاقات الاقتصادية والمالية بين لبنان والولايات المتحدة، وعرض الرئيس سلام التقدّم الذي أحرزته الحكومة في مسار الإصلاحات المالية والمصرفية، والخطوات التي تعمل على استكمالها لمعالجة تداعيات الأزمة المالية وإعادة بناء القطاع المصرفي. كما تمّ البحث في مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي، وطلب سلام دعم الولايات المتحدة لجهود لبنان في التقدّم في هذين المسارين وتأمين الدعم اللازم لبرنامج الإصلاح والتعافي الاقتصادي. كذلك تمّ البحث في جهود الحكومة لمكافحة الاقتصاد النقدي، والحدّ من استخدام النقد خارج النظام المالي، وتعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما يساهم في إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي اللبناني، وتعزيز اندماجه في النظام المالي الدولي.
وإثر اللقاء، قال بيسنت على موقع «إكس»، انّه ناقش مع سلام وجابر إصلاحات القطاع المالي الرئيسية في لبنان. وأكّد «مناقشة الحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران و«حزب الله»، وأهمية الإصلاحات الجوهرية في القطاع المالي لاستعادة الثقة في النظام المصرفي اللبناني».
وكان سلام عقد اجتماعاً مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا ورئيس مؤسسة التمويل الدولية (IFC) مختار ديوب، في مقر البنك الدولي في واشنطن، لبحث مسار التعاون بين لبنان والمجموعة وسبل توسيعه، بما يواكب أولويات الحكومة في الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار.
وتناول الاجتماع سبل تأمين مزيد من الدعم والتمويل للمشاريع ذات الأولوية في لبنان، ولا سيما في قطاعات الطاقة والمياه والبنى التحتية، إضافة إلى التحول الرقمي وشبكات الأمان الاجتماعي. وأثار سلام أهمية العمل على تطوير مشاريع الربط والتكامل الإقليمي في مجالي البنى التحتية والطاقة.
"الديار":
في مشهد لبناني تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبدو أبواب الحوار مقفلة خارجيا، فيما تتحرك السياسة داخليًا من دون أن تنتج اختراقًا يبدّل قواعد الاشتباك. وبينما ينشغل حزب الله برسم حساباته للمرحلة المقبلة وما بعد اليونيفيل، تتشدد واشنطن في ربط أي دعم للبنان بمسار صندوق النقد وقانون الفجوة المالية.
على خط موازٍ، تحرق أزمة الطاقة ما تبقى من القدرة الشرائية والإنتاجية، فيما تكتفي الحكومة بإجراءات أشبه بالمسكنات. أما الشارع، فيبدو حتى الساعة تحت السيطرة، وسط ضغوط متزايدة على النقابات، ومخاوف من أن يتحول الاحتقان الاجتماعي المتراكم إلى تحركات مطلبية يصعب ضبط مسارها.
قاسم حسمها
فحال الجمود المحيطة بمسارات الحوار والتفاوض خارجيا، انعكست على المشهد الداخلي اللبناني، في وقت تبدو فيه الحركة السياسية ناشطة في الشكل، عاجزة في المضمون عن إنتاج أي اختراق فعلي في الملفات الخلافية، وسط انسداد واضح في قنوات التواصل وتباعد في المقاربات بين القوى السياسية، ولا سيما في ما يتصل بملف السلاح ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، حيث تؤكد أوساط سياسية مقربة من المقاومة أن أبرز الرسائل التي حملها كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في «الذكرى الثانية للسيدين»، تمثلت في حسم موقف الحزب من مسألة الحوار مع رئاسة الجمهورية، لجهة رفض فتح هذا المسار في المرحلة الراهنة، بانتظار توافر الظروف والشروط التي يعتبرها الحزب ضرورية للانخراط فيه، لافتا إلى أن هذا الموقف لم يتبدل، رغم الوساطة التي قامت بها دولة إقليمية بهدف تقريب وجهات النظر وفتح ثغرة في جدار القطيعة السياسية.
انفتاح شرقًا
وتابعت الأوساط بأن قيادة حزب الله لا تبدو في موقع الانتظار، بل تتحرك خارجيا بعيدا عن الأضواء، عبر قنوات إقليمية ودولية، في محاولة لقراءة اتجاهات المرحلة المقبلة واستشراف طبيعة التسويات المحتملة، حيث سجلت في هذا الاطار زيارة وفد من الحزب إلى موسكو، في مؤشر إلى استمرار التواصل مع عواصم دولية فاعلة، في موازاة معلومات أميركية عن رصد اتصالات بين بكين وحارة حريك، تركزت، على الوضع الجنوبي ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، وسط تقديرات تتحدث عن جس نبض صيني حول إمكان المشاركة في قوة دولية جديدة، في حال تم التوصل إلى صيغة بديلة للانتشار الدولي في الجنوب.
تفعيل الاطار
وعلى الخط اللبناني - الاميركي، ابلغ رئيس الجمهورية عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر وأعضاء الوفد المرافق، الذين زاروا عين التينة ايضا، خلال استقبالهم، «ان لبنان يعلق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة الاميركية للضغط على إسرائيل لالزامها تنفيذ «اتفاق الاطار»، في وقت اكد فيه المطلعون على أجواء العاصمة الأميركية أن الاميركيين يطالبون الجانب اللبناني بآلية واضحة لعملية تفتيش الممتلكات الخاصة، باعتبار أن هذه المسألة باتت تشكل عقدة أساسية في أي ترتيبات ميدانية مقبلة، وأن تجاوزها قبل التوصل إلى تفاهم عملي حولها قد يعرقل الانتقال إلى مراحل جديدة من الترتيبات الأمنية بما فيها المناطق التجريبية.
وتشير المعطيات الى ان النقاش لم يعد يتركز فقط على تحديد المناطق التي يمكن إدراجها ضمن أي مرحلة تجريبية جديدة، بل انتقل إلى التفاصيل التنفيذية المتعلقة بكيفية تطبيق الإجراءات داخلها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمنازل والأملاك الخاصة، والجهة التي ستتولى عمليات التفتيش، وطبيعة التفويض الممنوح لها، وآلية التعامل مع اعتراضات السكان أو رفضهم الدخول إلى ممتلكاتهم، بعدما اثبتت المرحلة الاولى فشلها، في وقت تحرص فيه اليرزة على عدم تحويل أي آلية تفتيش إلى مصدر احتكاك مباشر مع الأهالي أو إلى مسار يتجاوز دور المؤسسات اللبنانية وصلاحياتها.
سلام في واشنطن
وبعد اجتماعه بوزير الخارجية الاميركية ماركو روبيو، التقى رئيس الحكومة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في مقر وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن، في حضور وزير المالية ياسين جابر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوض. تم خلال اللقاء البحث في العلاقات الاقتصادية والمالية بين لبنان والولايات المتحدة، وعرض الرئيس سلام التقدم الذي أحرزته الحكومة في مسار الإصلاحات المالية والمصرفية، والخطوات التي تعمل على استكمالها لمعالجة تداعيات الأزمة المالية وإعادة بناء القطاع المصرفي. كما تم البحث في مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي، وطلب الرئيس سلام دعم الولايات المتحدة لجهود لبنان في التقدم في هذين المسارين وتأمين الدعم اللازم لبرنامج الإصلاح والتعافي الاقتصادي. كذلك تم البحث في جهود الحكومة لمكافحة الاقتصاد النقدي والحد من استخدام النقد خارج النظام المالي، وتعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما يساهم في إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي اللبناني وتعزيز اندماجه في النظام المالي الدولي.
كما عقد سلام اجتماعا مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا ورئيس مؤسسة التمويل الدولية (IFC) مختار ديوب، في مقر البنك الدولي في واشنطن، لبحث مسار التعاون بين لبنان والمجموعة وسبل توسيعه بما يواكب أولويات الحكومة في الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار.
وكانت السفارة اللبنانية اقامت عشاء تكريمًا لسلام، شارك فيه الموفد السعودي الخاص الى لبنان الامير يزيد بن فرحان، والسفير الاماراتي في واشنطن، وعدد من السفراء العرب، ومستشار الرئيس ترامب سيباستيان غوركا، ومسؤولون من الامن القومي، ومستشار وزير الخارجية دان هولر الى جانب مسؤولين رفيعين في البيت الابيض ووزارات الخارجية والخزانة والتجارة.
مسكنات حكومية
ليس بعيدا، رات أوساط اقتصادية أن الإجراءات والتدابير الاجتماعية التي يجري الحديث عنها ليست سوى مسكنات ستتآكل نتائجها سريعا، ولن تكون قادرة على معالجة أصل المشكلة، في ظل استمرار الارتفاع في كلفة الطاقة وانعكاساته المباشرة على أسعار السلع والخدمات والنقل والإنتاج، معتبرة أن أي مقاربة اقتصادية تكتفي بتقديم مساعدات اجتماعية محدودة، من دون معالجة كلفة التشغيل والإنتاج، ستبقي الاقتصاد في دائرة المعالجة المؤقتة للأعراض، فيما تتفاقم أسباب الأزمة الأساسية.
واشارت الاوساط الى أن المطلوب من الدولة الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة اقتصادية أكثر مباشرة، عبر إعادة النظر في الضرائب والرسوم المفروضة على الطاقة، وتقديم حوافز مؤقتة وموجهة للقطاعات الأكثر تضررا، بما يسمح بامتصاص جزء من الصدمة من دون تحويل الدعم إلى إنفاق دائم، وهو ما دعا اليه وزير الطاقة جو الصدّي، الذي طلب إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، رغم ان السؤال يبقى حينئذ، من أين وكيف ستُدفع الزيادة على رواتب موظفي القطاع العام والعسكريين؟
وحذرت الأوساط من أن تجاهل هذا المسار سيجعل الإجراءات الاجتماعية أشبه بالمسكنات، مؤكدة أن التجارب الدولية أظهرت أن مواجهة صدمات الطاقة تحتاج إلى حزمة متكاملة تجمع بين الحماية الاجتماعية، وتخفيف كلفة الإنتاج، وتحفيز القطاعات الحيوية، بالتوازي مع إصلاحات مالية واقتصادية تمنع انتقال كلفة الأزمة بالكامل إلى المواطن والاقتصاد.
اضراب لا اضراب
معيشيا، ظهر تباين بين القطاعات حول مصير الاضراب العام المقرر اليوم، مع خروج الاتحاد العمالي العام من صفوف المعترضين والداعين الى التحركات والاضرابات، حيث تحدثت مصادر نقابية عن تدخلات وضغوط سياسية وأمنية كبيرة تُمارس على بعض النقابات القطاعية الوازنة، بهدف ثنيها عن المشاركة في أي تحركات مطلبية أو الدعوة إليها، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية والاقتصادية على مختلف الفئات العمالية، كاشفة ان رسائل وصلت إلى عدد من الهيئات النقابية تتراوح بين التحذير من تداعيات النزول إلى الشارع، والدعوة إلى ضبط سقف المطالب، وصولا إلى التحذير من إمكان توظيف أي تحرك في صراعات سياسية تتجاوز العناوين الاجتماعية المعلنة.
وبحسب المصادر، فإن بعض الجهات السياسية والأمنية تتعامل مع التحركات النقابية المحتملة باعتبارها ملفا يتصل بالاستقرار العام، في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، والخشية من أن تتحول المطالب المعيشية إلى نقطة تجمع لقوى سياسية متعددة، بما قد يفتح الباب أمام توسع الاحتجاجات جغرافيًا وقطاعيا، وخروجها عن قدرة الجهات المنظمة على ضبط مسارها، مشيرة إلى أن هذه الهواجس تستعيد إلى الذاكرة محطات سابقة شهد فيها الشارع اللبناني تحركات واسعة تداخلت فيها المطالب الاجتماعية مع التجاذبات السياسية، ولا سيما عامي 1993 و2008، حين اكتسبت التحركات العمالية والنقابية أبعادا سياسية وأمنية أوسع من عناوينها الأساسية.
وحذرت المصادر من أن استمرار الضغوط على النقابات قد يؤدي، في المقابل، إلى نتيجة عكسية، عبر دفع بعض الفئات إلى التحرك بصورة أقل تنظيمًا وأكثر عفوية، بما يصعّب احتواء التداعيات، كما حصل خلال ثورة 2019، داعية إلى فصل المطالب النقابية عن التجاذبات السياسية، وفتح قنوات تفاوض جدية مع الهيئات العمالية، قبل أن تتحول الضغوط الاجتماعية المتراكمة إلى أزمة شارع يصعب التحكم بإيقاعها.
"نداء الوطن":
الجديد في المشهد اللبناني أنه لا يزال أسير قديمه. فالعناوين الأساسية تتحرك بين مدّ وجزر من دون اختراق حاسم. تارة يتقدّم الملف الأمني، وطورًا ينشط المسار الدبلوماسي، وطورًا آخر تتصدّر الهموم الاقتصادية والمعيشية الحدث الداخلي. لكن هذه العناوين، على اختلافها، مترابطة ومتفاعلة، فيما مفتاح حلّها واحد: الدولة.
إزاء هذه المعادلة، تبقى الولايات المتحدة الوجهة الأساسية للبنان لتأمين غطاء سياسي يعيد تحريك "صيغة الإطار" ويمنح السلطة الشرعية هامشًا أوسع في مواجهة الاستحقاقات الراهنة.
في هذا السياق، علمت "نداء الوطن" أن الاتصالات الأخيرة بين بعبدا وواشنطن قد تفضي إلى تحديد الأسبوع الأخير من تشرين الأول موعدًا لانعقاد المفاوضات، على أن تكون ذات طابع أمني وعسكري، ويرأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوض، من دون أن يكون الموعد النهائي قد حُسم بعد. وفي امتداد لهذا الحراك الدبلوماسي، أوضحت مصادر مطلعة لـ"نداء الوطن" أن زيارة السفير كرم إلى الفاتيكان لا تندرج، كما يُشاع، في إطار السعي إلى تحديد موعد المفاوضات أو مكان انعقادها، بل يأتي في سياق التشاور حول الملف وإطلاع الكرسي الرسولي على تطوراته. ويكتسب هذا التواصل أهمية إضافية من العلاقة القائمة بين كرم والقاصد الرسولي في لبنان، المونسنيور باولو بورجيا، في وقت يواصل فيه الأخير تحركاته ومتابعته للأوضاع اللبنانية، ولا سيما تداعيات التطورات في الجنوب على السكان والبلدات الحدودية المسيحية الصامدة، لما تمثله من عنصر أساسي في الحفاظ على هوية الجنوب.
بعبدا تراهن على واشنطن
وعلى الخط بيروت- واشنطن أيضًا، أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر وأعضاء الوفد المرافق، خلال استقبالهم في قصر بعبدا، أن لبنان يعلّق أهمية كبيرة على الدور الأميركي في الضغط على إسرائيل لإلزامها تنفيذ "اتفاق الإطار". ولفت عون إلى أن إسرائيل لا تزال تمتنع عن الالتزام بمندرجات الاتفاق، رغم التزام لبنان الكامل به، مشددًا على ضرورة وقف أعمال التفجير والجرف والتدمير في القرى الجنوبية التي تحتلها إسرائيل. وأكد أن تفعيل "الإطار" يقتضي الإسراع في استكمال إعادة الأسرى اللبنانيين، وتصحيح النقاط المختلف عليها على طول الخط الأزرق، وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش فيها وصولا إلى الحدود الجنوبية المعترف بها دوليًا.
ومن بعبدا إلى عين التينة، حيث استقبل بري لحود وغوتهايمر، كان التركيز على استمرار الحرب وعدم التزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار ومواصلة تدمير القرى والبنى التحتية. وأكد بري أن واشنطن قادرة على الضغط لوقف الحرب، منوّهًا بدعم الجيش ومشيرًا إلى إمكان تفادي عدم التجديد لـ"اليونيفيل".
بالعودة إلى واشنطن، حيث واصل رئيس الحكومة نواف سلام تحركه السياسي والاقتصادي، جدد تمسك لبنان بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة. وأمام مجموعة من الشباب والمهنيين اللبنانيين، شدد على أن بناء الدولة يقوم على الإصلاح الداخلي والسيادة الكاملة، مؤكدًا أن "لا دولة بجيشين، ولا دولة بقرارين"، وأن الحكومة ماضية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي المواقف السياسية نفسها، قال سلام لـ"الشرق بلومبرغ" إن لبنان يريد فتح صفحة جديدة مع إيران على أساس الاحترام المتبادل، وكشف أنه طلب تعيين سفير إيراني جديد في بيروت بدلا من السفير السابق. وأكد التمسك ببسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها، داعيًا "حزب الله" إلى الالتزام بذلك. وفي ملف الجنوب، شدد على ضرورة وضع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي الكامل، مشيرًا إلى توافق مع واشنطن على هذا المبدأ. ولفت سلام إلى أن قوة الأمم المتحدة الموقتة "اليونيفيل" لن تستمر في جنوب لبنان بشكلها الحالي.
الإصلاح المالي بوابة الدعم الأميركي
أما على الخط الاقتصادي، فالتقى سلام وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في حضور وزير المال ياسين جابر والسفيرة معوض، حيث عرض مسار الإصلاحات المالية والمصرفية والمفاوضات مع صندوق النقد والبنك الدولي، طالبًا مساندة واشنطن لبرنامج التعافي. كما تناول البحث مكافحة الاقتصاد النقدي وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وبعد الاجتماع، قال بيسنت إنه ناقش مع سلام وجابر ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران و"حزب الله"، إلى جانب الإصلاحات المطلوبة لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي. كذلك اجتمع سلام مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا ورئيس مؤسسة التمويل الدولية مختار ديوب، لبحث توسيع التعاون بما يواكب أولويات الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار. وفي مأدبة أقامتها السفيرة معوض على شرفه، أكد سلام أن لبنان "حسم خياره": لا سلطة فوق الدولة، ولا سلاح خارج مؤسساتها الشرعية، ولا قرار حرب وسلم خارج المؤسسات الدستورية، مع التمسك بالإصلاح والدبلوماسية طريقًا لاستعادة الأرض وحماية الشعب وتحقيق الأمن والاستقرار.
وفي البيت الأبيض، التقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي نائب مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل نيدهم، في إطار متابعة الاتصالات اللبنانية - الأميركية. ويُعدّ نيدهم من أبرز المسؤولين في مجلس الأمن القومي الأميركي، فيما يتولى وزير الخارجية ماركو روبيو أيضًا مهام مستشار الأمن القومي.
الحكومة غدًا أمام السياسة والمعيشة
أما في الداخل، فتتجه الأنظار إلى جلسة الحكومة غدًا، التي ستكون ذات طابع سياسي واجتماعي. وعلمت "نداء الوطن" أن سلام سيضع مجلس الوزراء في أجواء زيارته الأميركية، في حين سيحضر الهمّ المعيشي بقوة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية. وسُجّلت بعض الحلحلة بعد الزيادة التي أُقرّت على بدل النقل والتعويضات، والتي أتت بتوجيه من رئيس الجمهورية، فيما أبدت النقابات حسن نية تجاه الخطوة وعلّقت الإضراب، انطلاقًا من أن البلد لا يحتمل مزيدًا من الشلل. إلا أن المخاوف تبقى قائمة من دخول "طابور خامس" على خط التحركات لتخريبها أو استغلالها سياسيًا.
في هذا الإطار، تشير مصادر سياسية لـ"نداء الوطن" إلى أن ثمة قوى تحاول توظيف الأزمتين المالية والمصرفية، اللتين لا يزال لبنان عاجزًا عن معالجتهما، لدفع البلاد نحو الفوضى. وإذا نزل الناس إلى الشارع وأدت الاحتجاجات إلى إسقاط الحكومة، فلن تكون التداعيات محصورة بمزيد من تدهور سعر صرف الليرة أمام الدولار، بل ستمتد إلى تجميد المفاوضات مع إسرائيل، وتعطيل المسار مع صندوق النقد الدولي، وإعادة تكريس الاقتصاد النقدي. وفي هذه الحال، يكون "حزب الله" قد حقق عبر الشارع ما لم يتمكن من تحقيقه في الميدان أو في البرلمان، أي إسقاط الحكومة بعد عجزه عن حجب الثقة عنها. وفي الوقت نفسه، يتيح هذا المسار لـ"الحزب" تحويل الأنظار داخل بيئته عن الأسئلة المتعلقة بحجم الخسائر البشرية والدمار الواسع الذي أصاب المنازل ومدخرات الناس.
"الأنباء":
لم تتوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان رغم التوصل إلى الإطار الثلاثي، فما يجري ميدانيًا في الجنوب يتخطّى العمليات العسكرية إلى رسم خريطة أمنية جديدة، بعد تفريغ القرى من أهلها وتجريف بيوتها وكلّ البنى التحتية فيها. وذلك كلّه يرفع منسوب القلق من عمليات استيطانية داخل الأراضي اللبنانية، تمهّد لها تصريحات رسمية، كان آخرها كلام الوزير المتطرّف بتسلئيل سموتريتش، الذي طالب بضمّ أجزاء من لبنان إلى إسرائيل.
ووسط هذا الصورة القاتمة، فإن الواقع الاقتصادي بغياب خطة واضحة من الحكومة تستجيب للهموم المعيشية يزيد المعاناة، إذ إن استخدام العلاجات الموضعية لا يشكل حلًا، لاسيما أن الأزمات الاقتصادية العالمية تتفاقم، بإنتظار ما ستخلص إليه الوساطات والمقترحات لإعادة فتح مضيق هرمز.
وإنعكاس هذه الأزمة على لبنان كان كفيلًا بالإعلان عن تحركات داخلية، على إثر ارتفاع مطّرد في أسعار المحروقات، وما رتب ذلك من ارتفاع على السلع والكهرباء وخدمات أخرى، إلا أن مخارج المعالجة كانت موضعية، وغير مستدامة.
وفي هذا الإطار، أعلن الاتحاد العمالي العام واتحادات قطاع النقل البري ونقاباته تعليق الإضراب العام والاعتصام اللذين كانا مقررين اليوم، "لإفساح المجال أمام تطبيق القرارات والمقررات الحكومية التي جرى التوصل إليها، ومتابعة المفاوضات المتعلقة بالملفات المعيشية والنقابية المتبقية".
مرحلة اختبار
في الوقت الذي صرّح فيه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، بأن القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها على عدة جبهات، لا ينكفئ عن إستثمار حروبه في حملته الانتخابية، وسط مخاوف من تصعيد يسبق هذا الإستحقاق الداخلي، بالتزامن مع ضربه عرض الحائط بإتفاق الإطار والإلتزام بمندرجاته.
وفي هذا السياق، رأى مصدر مراقب عبر "الأنباء الإلكترونية" أن ذلك "لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستذهب إلى حرب شاملة، لكنها تجعل الإنجاز الأمني الملموس أكثر قيمة في الحساب السياسي الداخلي"، مشيرًا الى أن "بنيامين نتنياهو يخوض حملته الانتخابية مستنداً بقوة إلى صورة حامي أمن إسرائيل، فيما يتركز جانب أساسي من المعركة السياسية على الأداء الأمني منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023".
وإعتبر المصدر أن "التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان لم يعد مجرد سلسلة من الضربات المتفرقة، ولا يمكن قراءته بمعزل عن الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي في 27 تشرين الأول"، مشيرًا إلى أن "المعادلة التي تتشكل على الأرض تبدو أوسع من هدف عسكري آني: إسرائيل تعمل على تحويل التفوق الميداني إلى واقع أمني قابل للاستمرار، قبل أن تبدأ مرحلة الحسابات السياسية التي تلي الانتخابات".
وخلص المصدر الى أن "الأسابيع المقبلة قد تكون مرحلة اختبار حقيقية للبنان"، متسائلًا: هل تبقى العمليات الإسرائيلية في إطار الضغط الناري وإعادة رسم منطقة أمنية، أم تنتقل إلى خطوة برية محدودة لتثبيت وقائع جديدة على المرتفعات المتصلة بإقليم التفاح والريحان وتخوم جزين؟ السؤال الأخطر ليس ما ستنتجه صناديق الاقتراع الإسرائيلية، بل ما الذي ستتركه إسرائيل على الأرض قبل فتح الصناديق؛ لأن ما يُفرض ميدانياً اليوم قد يصبح غداً سقفاً جديداً للتفاوض".
ورقة تفاوضية جديدة؟!
على خط اخر شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن إسرائيل لا تزال تمتنع عن التقيد بمندرجات اتفاق الاطار على رغم أنّ لبنان ملتزم بتطبيقه التزاما كاملاً، معتبرًا أن أي تأخير في تنفيذ إسرائيل للاتفاق سيُبقي التوتر في الجنوب ويحول دون تمكن الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها الجنوبية وإزالة المظاهر المسلحة وإعادة النازحين الجنوبيين الى قراهم وبلداتهم،
عون وخلال إستقباله أمس، عضوي الكونغرس الأميركي دارين لحود وجوش غوتهايمر وأعضاء الوفد المرافق، علّق أهمية كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية للضغط على إسرائيل لإلزامها تنفيذ اتفاق الإطار، مشددًا على وجوب "وقف أعمال التفجير والجرف والتدمير في القرى الجنوبية التي تحتلها إسرائيل".
وفي سياق متصل، تؤكد تقارير حديثة أن الجيش الإسرائيلي أعلن انتقاله إلى مرحلة جديدة في الجنوب بعد عملياته في منطقة علي الطاهر والمنصوري، مع تركيز على إنشاء مواقع وخط دفاعي جديد.
من هذه الزاوية، لفت مصدر خاص بـ "الأنباء الإلكترونية" الى أن "الضربات على الجبل الرفيع، وسجد، والريحان، وإقليم التفاح تكتسب أهميةً تتجاوز بعدها التكتيكي"، مشيرًا الى أن السيطرة على المرتفعات لا تعني فقط تدمير بنى تحتية، بل تعني التحكم بالممرات والعمق والرؤية ومسارات الحركة، أي بناء منظومة أمنية تسمح لإسرائيل بتثبيت حضورها وقدرتها على التدخل حتى من دون الذهاب فوراً إلى احتلال بري واسع. وقد رُصد بالفعل انتقال التركيز الإسرائيلي إلى مرتفعات إقليم التفاح والريحان بعد مرحلة علي الطاهر".
وعبّر المصدر عن الخطورة الاستراتيجية لما يحصل، معتبرًا أن "المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الخريطة التي ستدخل إلى أي تفاوض مقبل"، مشيرًا الى أن "كل موقع عسكري يُدمَّر، وكل مرتفع تتم السيطرة عليه أو عزله، وكل منطقة تُفرغ من سكانها أو بنيتها، يمكن أن يتحول لاحقاً إلى ورقة تفاوضية جديدة".
بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن العائق الأساسي أمام تنفيذ إتفاق وقف الحرب على لبنان هو عدم التزام إسرائيل بموجبات كل الاتفاقات التي أبرمت لإنهائها، مجددًا التأكيد أن الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب هما الوحيدان القادران على ممارسة الضغط لإلزام إسرائيل بوقف حربها على لبنان. كما نوه بكل المساعدات التي تُقدّم لدعم الجيش اللبناني، مشيراً الى أنه لا يزال هناك متسع من الوقت لتفادي ارتكاب خطيئة عدم التجديد لقوات "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان.
إقتراح قانون لحماية الموظف العام
تقدم عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب بلال عبدالله باقتراح قانون يرمي الى حماية الموظف العام وتأكيد حقوقه النقابية والدستورية، عبر تعديل المادتين 14 و15 من المرسوم الاشتراعي رقم 112 الصادر بتاريخ 12 حزيران 1959 (نظام الموظفين).
ولحظت الأسباب الموجبة للاقتراح أن التعديلات تأتي للتوفيق بين الحقوق الدستورية والنقابية للموظف كمواطن، ومقتضيات انتظام سير المرافق العامة والحياد والرقابة الإدارية.
"اللواء":
يرى هارولد نيكلسون أن جوهر الدبلوماسية يكمن في إدارة العلاقات الدولية عبر التفاوض، بما يجعل الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.
ولعل هذا المعنى يكتسب اليوم أهمية خاصة في قراءة لقاء رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ظل مرحلة دقيقة يقف فيها لبنان أمام استحقاقات تتجاوز حدود اللقاءات الدبلوماسية إلى تحديد شكل المرحلة المقبلة في الجنوب.
فلقاء سلام وروبيو لم يكن معزولاً عن مجموعة الملفات التي حملها رئيس الحكومة إلى نيويورك، بل جاء في سياق محاولة تثبيت موقع الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في إدارة شؤونها السيادية، والتفاوض باسم لبنان، والدفاع عن مصالحه العليا. وبين هذه الملفات يبرز الوضع في الجنوب باعتباره الأكثر حساسية، في ضوء مستقبل قوات اليونيفيل، ودور الجيش اللبناني، ومصير التفاهمات اللبنانية ــ الإسرائيلية، وما إذا كان اتفاق الإطار قادراً على الانتقال من مساحة التفاهم السياسي إلى حيِّز التنفيذ الفعلي.
وتكمن أهمية الموقف الأميركي هنا في قدرته على التأثير في مسار الاتصالات مع إسرائيل، ولا سيما في ما يتعلق بأي ترتيبات تسمح للجيش اللبناني بتوسيع انتشاره وتسلّم مسؤولياته في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. فالمطلوب لبنانياً ليس مجرد تفاهمات عامة، بل آلية واضحة تضمن تثبيت الهدوء، وتمنع الفراغ الأمني، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم في ظروف آمنة.
من ناحية أخرى، هل سيتمكن حزب الله من إدارة علاقته بإيران في مرحلة أثبتت فيها التجارب أن أي انخراط جديد في التصعيد ستكون له كلفة مباشرة على لبنان، وعلى الجنوب تحديداً. وبين الالتزام بمصالح لبنان الوطنية والحسابات الإقليمية الأوسع، تبدو الحاجة إلى قرار يحصّن الدولة ويمنع إعادة إنتاج دورة جديدة من الحرب والدمار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ومن هنا تكتسب لقاءات سلام في نيويورك وواشنطن دلالتها السياسية: فهي محاولة لنقل لبنان من موقع الساحة التي تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، إلى موقع الدولة التي تفاوض باسم نفسها وتحدد أولوياتها. غير أن تثبيت هذا التحول يحتاج إلى جانب الدعم الدولي إلى ترجمة عملية على الأرض، وإلى التزام اسرائيلي بالتفاهمات، وإلى قدرة الدولة اللبنانية على استكمال بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
يبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع واشنطن استخدام نفوذها لدفع مسار الاتفاق نحو التنفيذ، وهل تتوافر لدى إسرائيل الاستعدادات السياسية والأمنية المطلوبة للانتقال إلى ترتيبات جديدة في الجنوب؟ وفي المقابل، هل ينجح لبنان في تثبيت مبدأ حصرية القرار السيادي ومنع العودة إلى منطق الساحات المفتوحة؟
بين هذه الأسئلة، يصبح لقاء سلام وروبيو أكثر من محطة دبلوماسية. إنه اختبار لقدرة التفاوض على إنتاج واقع جديد في الجنوب، ولقدرة الدولة اللبنانية على تحويل الدعم الدولي إلى مسار سياسي وأمني واقتصادي يحمي لبنان ويهيئ الأرض لعودة أبنائه وإعادة بناء ما تهدّم، بعيداً عن مغامرات جديدة قد يدفع اللبنانيون ثمنها مرة أخرى.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا