افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الجمعة 4 سبتمبر 2026

الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Sep 04 26|06:35AM :نشر بتاريخ

 "النهار":

يمكن اعتبار التطوّر الإيجابي المفاجئ الذي تمثّل في تحريك ملف تبادل الأسرى والرفات بين لبنان وإسرائيل أمس، بأنه الاختراق الثاني في تنفيذ بنود الاتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه في 26 حزيران الماضي، بعد المرحلة الاولى من تنفيذ عملية المناطق التجريبية التي حصلت في 20 تموز الماضي. وإذ أفرجت إسرائيل عن خمسة أسرى مدنيين، ثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين من غير المقاتلين، في مقابل تقدّم عمليات البحث الجارية عن رفات يهود لبنانيين خطفوا وقتلوا في ثمانينيات القرن الماضي، رسم الإعلان المفاجئ عن هذا التطور معالم جهد أميركي كبير اضطلع به السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى في تبادل المعطيات المتصلة بهذا الملف، بما أدى إلى تنفيذ الخطوة الأولى منه أمس بإطلاق الأسرى الخمسة وتسليمهم إلى لبنان عبر الصليب الأحمر الدولي. ولعلها مفارقة لافتة أن حصول هذا التطور جاء في وقت كانت فيه "كتلة الوفاء للمقاومة" تسعّر حملتها على السلطة ورئاسة الجمهورية وتنعى الاتفاق الإطار، فيما شكّل تحريك ملف الاسرى بهذه الخطوة دفعاً واضحاً للخيار التفاوضي الذي اعتمدته السلطة اللبنانية، وبدا واضحاً أن واشنطن لعبت الدور الأساسي في توفير هذا البعد للسلطة من خلال إقناعها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاستجابة المرنة في هذا الملف ما دامت التعقيدات لا تزال تعترض تنفيذ المرحلة التالية من المناطق التجريبية.

وكانت إسرائيل بدأت عملية الإفراج عن الأسرى الخمسة بإطلاق الأسير اللبناني مالك كمال غازي البالغ من العمر 20 عاماً، والذي فُقد في منطقة عين عطا – راشيا في تشرين الأول 2025 أثناء خروجه لممارسة الرياضة، قبل أن تتكشف لاحقاً معلومات عن تعرّضه للخطف ونقله إلى إسرائيل.

وقد سُلّم المفرج عنه إلى الصليب الأحمر عند معبر الناقورة، ثم إلى الجيش اللبناني، ونُقل بعدها إلى مكتب مخابرات الجيش في ثكنة بنوا بركات في صور، ومنه إلى المستشفى لإجراء الفحوصات الطبية. ومن ثمّ أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأنّ من المتوقع أن تُفرج إسرائيل عن 5 أسرى لبنانيين بالتنسيق مع الولايات المتحدة كجزء من المفاوضات وأنّ قضية المعتقلين والمفقودين تُعد محور المحادثات بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، وقد تم تبادل القوائم الأولية في الجولة الأخيرة في روما. وأفاد مصدر أمني عن تأجيل تسليم الأسرى اللبنانيين الأربعة من الجانب الإسرائيلي إلى الصليب الأحمر الدولي، على أن تتم عملية التسليم عند الساعة 11 من صباح اليوم الجمعة.

ولكن تبين أن الأسرى الأربعة لبنانيان وسوريان وهم: علي حسن شور، وحسين عبدالله محمود عياش، وأسعد محمود محمد الحسيكة، وسام ابراهيم الصمدي.

بدورها، أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية بأن تقرر الإفراج عن 5 لبنانيين اعتقلوا في مناطق خاضعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بعد حدوث تقدم في عمليات البحث عن جثث إسرائيليين قتلوا في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي. وأعلن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أنه في إطار المفاوضات مع لبنان، وجّه نتنياهو إلى العمل على تحديد مكان رفات رؤساء من الجالية اليهودية في لبنان وإعادتهم، وهم أشخاص خُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على يد جماعات مسلحة.

وقال مكتب نتنياهو: "خلال الأشهر الأخيرة نُفذت عمليات كثيرة لتحديد أماكنهم، سواء من جانب لبنان أو من جانب إسرائيل، بما في ذلك عمليات ميدانية. وفي ضوء هذا النشاط المهم، تقرر الإفراج عن 5 مواطنين لبنانيين اعتُقلوا في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. وبعد استكمال التحقيق معهم، تبيّن أنهم مدنيون وليسوا أعضاء في جماعة مسلحة، ولم يشاركوا في أعمال قتالية، ولا يوجد أي سبب للاستمرار في احتجازهم في إسرائيل".

وفي المقابل، أعلن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام "أن عودة أي لبناني محرّر إلى وطنه سالماً، تشكّل خطوة مهمة على طريق معالجة هذا الملف. وأتوجّه بالشكر إلى الإدارة الأميركية، ولا سيما إلى السفير ميشال عيسى، على الجهود التي بُذلت في هذا المجال وسنواصل العمل حتى الإفراج عن جميع أسرانا، والكشف عن مصير المفقودين، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية". وأضاف: "مهما بدا المسار التفاوضي صعباً، سنستمر بحشد كل الجهود المطلوبة، لحفظ حقوق لبنان ومصالح اللبنانيين، ولا سيما أهلنا في الجنوب، وتأمين عودتهم الآمنة والكريمة إلى أرضهم وقراهم، وإعادة سيادة الدولة الكاملة على أراضيها".

ويشار إلى أنه في مستهل جلسة مجلس الوزراء أمس في السرايا، أشار سلام إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد جلسات متتالية لعرض ومناقشة الموازنة، وأكد أن موضوع تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية سيُعرض على جلسة مجلس الوزراء الخميس المقبل، كما سبق والتزم.

حملة "حزب الله"

وتزامنت هذه الخطوة مع تسعير حملة "كتلة الوفاء للمقاومة" على السلطة، إذ اعتبرت أن "اتفاق الإطار المخزي قد سقط وتبدّدت أوهامه"، داعية السلطة الرسمية إلى "الإقلاع عن هذا النهج التدميري الذي يتخذه الاحتلال غطاءً لاعتداءاته". وانتقدت بشدة ما وصفته بـ"الموت السريري للسلطة السياسية وتخلّفها عن مسؤولياتها الوطنية والمعيشية تجاه النازحين والمتضررين".

كما شددت على أن "العداء للكيان الصهيوني يمثل "حالة ميثاقية" كرّسها اتفاق الطائف والقوانين"، معتبرة أن "سعي رئاسة الجمهورية لإنهاء هذه الحالة يعد تجاهلاً متعمداً لآلام الشعب اللبناني وميثاقه".

وسط هذه الاجواء، أفاد ثلاثة مسؤولين مطلعين وكالة "رويترز" بأنّ "إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنها سترد بقوة على أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان"، حيث تتحصّن، بحسب مصادر إقليمية، عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب مقاتلي "حزب الله".

وتكشف الرسالة، التي نُقلت إلى واشنطن عبر عُمان "استمرار انخراط إيران المباشر في القتال البري في جنوب لبنان"، واستعداد طهران للرد على أي هجوم إسرائيلي واسع على الموقع، في وقت تدخل فيه الحرب في المنطقة شهرها السابع.

وأفاد مسؤولان إقليميان بأنّ "الرسالة الإيرانية نُقلت عبر عُمان، التي تضطلع بدور الوساطة بين طهران وواشنطن". وبحسب المسؤولين، كان أكثر من عشرة عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضابطان كبيران على الأقل، موجودين إلى جانب مقاتلي "حزب الله" في المنطقة.

وقال مسؤول أجنبي مطّلع مباشرة على الرسالة، "إنّ نقلها جرى في منتصف آب تقريباً، وإن إسرائيل أرجأت اقتحام التلة نتيجة ضغوط أميركية".

وفي المقابل، قال مسؤول في البيت الأبيض، رداً على أسئلة "رويترز" بشأن الرسالة وما إذا كانت واشنطن ضغطت على إسرائيل لعدم مهاجمة التلة، إن ذلك "غير دقيق" .

وقال مسؤول مطّلع على الوضع "إنّ الجيش الإسرائيلي يحاول إخراج عناصر "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني من مخابئهم عبر حصار التلة، إضافة إلى إسقاط المسيّرات التي تحاول إيصال الطعام والمياه إليها". وأضاف مصدر لبناني أنّ مقاتلي "حزب الله" لا يزال بإمكانهم الوصول إلى مواقعهم عبر الجانب الشمالي من التلة.

ورغم التحذير الإيراني، قال مسؤول لبناني مطّلع ومسؤول أمني لبناني، "إنّ احتمال تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية للسيطرة على التلة لا يزال قائماً خلال الأسابيع المقبلة".

 

 

"الأخبار":

بعد تسلّم لبنان معتقلاً لبنانياً من سجون الاحتلال، وتعهد بنيامين نتنياهو الإفراج عن خمسة آخرين، أعلن جيش العدو «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، متحدثاً عن منشآت تحت الأرض قال إنه دخل إليها وعمل على تحييدها. وفي الخلفية، عاد ملف «اليونيفل» إلى الواجهة بقوة، مع معلومات عن مساع فرنسية عبر مجلس الأمن لتشكيل قوة دولية تحل محلها في حنوب لبنان.

ثلاثة تطورات في المشهد نفسه: محتجزون يعودون إلى لبنان، وإسرائيل تثبّت وجودها العسكري في نقطة استراتيجية جنوباً، ومساعٍ للحفاظ على المظلة الدولية في الجنوب. فهل نحن أمام مجرد تزامن في الأحداث، أم أن هذه الملفات تلتقي عند مسار واحد يجري الإعداد له بعيداً عن الضوء؟

السؤال لا يعني افتراض وجود صفقة جاهزة أو اتفاق سري، ولا تتوافر في المعطيات الحالية أدلة تسمح بالجزم بذلك. لكن من الصعب قراءة كل ملف من هذه بمعزل عن الآخر.

ومساء أمس، أعلن نتنياهو أن «مرتفعات علي الطاهر لم تعد تشكل تهديداً لنا وقضينا على أعداد كبيرة من المسلحين»، فيما قال جيش الاحتلال إن قواته «عملت خلال المدة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في المنطقة الأمنية، وقد تم تحقيق سيطرة عملياتية على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها». وأضاف أن قواته اشتبكت مع عناصر من حزب الله داخل المنطقة، زاعماً «مقتل عدد منهم وفرار آخرين»، وأن العمليات الرامية إلى تحييد البنى التحتية تحت الأرض مستمرة بعد إخراج العناصر منها.

وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن العناصر الذين كانوا داخل هذه المنشآت كانوا يعملون على إعداد وتنفيذ مخططات تستهدف إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي. وادعى أن العمليات التي نفذها خلال الأسابيع الأخيرة داخل المسارات تحت الأرض أدت إلى «تحييد القدرة» على استخدامها لتنفيذ عمليات ضد قواته أو داخل إسرائيل. وأضاف أنه عُثر داخل المنشآت على غرف عمليات ومستودعات للأسلحة وغرف للمولدات وأماكن للمكوث، إضافة إلى مرافق للاستحمام ومطبخ، معتبراً أن تجهيزها بهذه الصورة كان يتيح للعناصر البقاء فيها وإدارة القتال لفترات طويلة. ووصف هذه المنشآت بأنها «بنية تحتية استراتيجية» بُنيت على مدى نحو عقدين، مدعياً أنها خُطط لها ومُوّلت من إيران، ومؤكداً أن قواته ستواصل العمل على ما سمّاه «تطهير المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».

لكن المعطيات الميدانية التي تتحدث عن إخلاء المنشآت قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها، وعن وقوع عدة اشتباكات في المنطقة سقط خلالها شهداء وجرحى، ثم دخول القوات الإسرائيلية إلى منشأتين، تضيف بعداً آخر إلى المشهد.

فمنذ وقف إطلاق النار المفترض بعد الحرب الأخيرة، عملت المقاومة على إخراج المقاومين الذين حاصرهم العدو داخل بعض المنشآت العسكرية في مرتفع علي الطاهر، بعدما حاول جيش الاحتلال مراراً الوصول إلى داخلها. وبحسب المعطيات، تمكّنت المقاومة من إفشال هذه المحاولات تباعاً، بالتوازي مع تنفيذ عمليات لإخراج المقاومين على دفعات.

ولا تُعدّ المنشآت العسكرية في علي الطاهر منشآت قتالية بالأساس، إذ صُمّمت لأغراض لوجستية وللقيادة والاتصال والاحتماء، لا لخوض المعارك من داخلها. وبعد حرب عام 2024، قلّصت المقاومة اعتمادها عليها، وسحبت جزءاً كبيراً من تجهيزاتها ونقلته إلى مواقع أخرى، بعدما تعرّضت لضربات متواصلة على مدى 15 شهراً. وجاء ذلك في ضوء تقدير لدى المقاومة بأن العدو سيحاول السيطرة على هذه المنشآت في أي مواجهة مقبلة، وهو ما حدث في الحرب الأخيرة.

أما في الميدان، فلا تعتمد عمليات الدفاع عن مرتفع علي الطاهر، إلا في جزء محدود منها، على المقاومين الموجودين داخل المنشآت. فقد بنت المقاومة منظومة دفاعية خارجها، نجحت في التصدّي لهجمات العدو مراراً، ولا تزال هذه المنظومة قائمة. ومن هنا، لا تبدو ادعاءات جيش الاحتلال بشأن السيطرة الكاملة على مرتفع علي الطاهر دقيقة. فرغم سيطرته، قبل أسابيع، على بعض المنشآت الصغيرة فيه، لا يزال وجوده، حتى الآن، عند أطراف حرج علي الطاهر، من دون أن يتمكّن من التوغّل داخله. وإذا كان جيش العدو يحكم سيطرته، كما يدّعي، على المرتفع ومنشآته كلها، فلماذا يستهدف المنطقة بطائراته الحربية والمسيّرة وبالمدفعية بصورة شبه يومية؟ وآخر هذه الاستهدافات كان أمس، حين شنّت طائرات العدو غارتين على حرج علي الطاهر. فهل يستهدف قواته المسيطرة؟

الحملة على الجيش

في موازاة ذلك، علمت «الأخبار» أن الجانب الأميركي تولّى، خلال الأيام القليلة الماضية، قبل زيارة السفير ميشال عيسى إلى تل أبيب وبعدها، نقل ما وصفه بـ«ملاحظات» إسرائيلية على أداء الجيش اللبناني في الجنوب. وبحسب المعطيات، نقل عيسى أن القيادة العسكرية في جيش الاحتلال تراقب أداء الجيش اللبناني ولا ترى أنه يقوم بأي عمل وفق «اتفاق الإطار» وملحقه الأمني والتنفيذي. وتطالب إسرائيل الجيش بتنفيذ عمليات واسعة للبحث عن الأسلحة في مختلف المناطق الجنوبية، بما فيها مناطق بعيدة عن «المناطق التجريبية»، معتبرة أن عدم القيام بذلك سيجعل موافقتها على أي انسحابات من لبنان أكثر صعوبة.

في المقابل، أبلغت قيادة الجيش أركان الحكم في لبنان والقيادة العسكرية الأميركية أن إسرائيل لم تنسحب فعلياً من أي منطقة محتلة، وأنها لا تزال تمارس تدخلاً نارياً وتنفّذ خروقات في الأحياء التي تركتها في بلدة زوطر الغربية، كما لا تزال موجودة في بعض أحياء البلدة. كذلك، اعتبرت إسرائيل مناطق لا تخضع للاحتلال المباشر، لكنها تقع ضمن دائرة السيطرة النارية، جزءاً من «المنطقة التجريبية»، وهو أمر تعتبره قيادة الجيش غير صحيح. وبالتالي، فإن الجيش اللبناني لا يرى نفسه معنياً بتنفيذ مطالب إسرائيل في هذه المناطق.

وبحسب مصدر رسمي، فإن الجانب الأميركي فهم أن ما تطلبه إسرائيل يتجاوز مسألة ضبط السلاح، ويستهدف فعلياً التدخل في حياة أبناء القرى الجنوبية، سواء عبر تفتيش المنازل بناءً على معلومات ترد من جيش الاحتلال، أو السؤال عن أشخاص بعينهم، وصولاً إلى طلبات بالدخول إلى أملاك خاصة أو الوصول إلى أماكن لم يتمكن الجيش الإسرائيلي نفسه من الوصول إليها.

وقال المصدر إن الجيش اللبناني ليس في وارد تقديم هذه الخدمات، وإنه ما لم تبادر إسرائيل إلى الانسحاب الكامل من مساحة واسعة من المناطق المحتلة، فإن الاتفاق لا يكون قد نُفّذ من جانبها. وبالتالي، فإن الجيش اللبناني غير معني باتخاذ خطوات إضافية استجابة لهذه المطالب، علماً أنه يمارس، حيث ينتشر، بسط سلطته الكاملة، ولم ترد إليه أي إشارة إلى وجود أسلحة أو مسلحين في هذه المناطق.

وأضاف المصدر أن إسرائيل تسعى إلى التحريض على الجيش اللبناني ودفع قيادته إلى خيارات قد تفضي إلى صدام أهلي. وسبق لقائد الجيش، العماد رودولف هيكل، أن أبلغ كل من يعنيهم الأمر، من لبنانيين وأميركيين وغيرهم، أن الجيش يعرف أن مهمته الأساسية هي حماية الأرض والناس والحفاظ على السلم الأهلي ومنع أي تهديد له، وأنه غير معني بتنفيذ المطالب الإسرائيلية.

 

 

"الديار":

حالة الانسداد العسكري والديبلوماسي في الحرب الاميركية على ايران تترك انعكاساتها السلبية على الساحة اللبنانية العالقة في دائرة من المراوحة القاتلة جنوبا مع استمرار عمليات التدمير الممنهج للقرى المحتلة، فيما الجمود يبقى سيد الموقف داخليا حيث تبقى البلاد غارقة في ازماتها الاقتصادية التي تتظهر في اسوأ صورها في شهر ايلول مع بدء العام الدراسي، حيث ارتفعت فاتورة القرطاسية المدرسية 25 في المئة، دون احتساب الزيادات على الاقساط، تزامنا مع غياب اي حلول لازمة الكهرباء المستعصية مع ارتفاع عشوائي لفواتير مولدات الاحياء التي وصلت الى ارقام قياسية في ظل حرارة مرتفعة هذا الصيف، وارتفاع اسعار المحروقات.

الجمود مستمر

في هذا الوقت، لم يكسر الافراج عن احد المختطفين اللبنانيين من قبل قوات الاحتلال، واعلان مكتب رئيس حكومة العدو الافراج عن 4 آخرين اليوم الجمعة، من حالة الجمود التي تكتنف مسار التفاوض المباشر المعلق حتى اشعار آخر. ووفقا لمصادر سياسية بارزة، على الرغم من اهمية استعادة الاسرى لحريتهم وعودتهم الى ذويهم، تعكس هذه الخطوة الخجولة من قبل بنيامين نتانياهو عقب لقائه السفير الاميركي ميشال عيسى، عدم رغبته في تقديم اي تنازلات جوهرية على المسار اللبناني، اقله قبل موعد الانتخابات التشريعية في 27 من الشهر المقبل. كما تعكس هذه الخطوة التي زعم انها مبادرة حسن نية، الحجم المحدود للضغط الاميركي على «اسرائيل» في هذه المرحلة، ولهذا يمكن اعتبار ما حصل مناورة لا تكسر الجمود الراهن.

عمليات خطف جديدة

وتشير تلك الاوساط، الى ان «المضحك المبكي» في الخطوة الاسرائيلية، ان الاعلان عن خطوة الافراج عن اللبنانيين الثلاثة ومواطنين سوريين، تزامن مع خطف ثلاثة مواطنين بالامس من بلدة حلتا – حاصبيا، حيث أقدمت على اعتقال ثلاثة من أبناء البلدة، هم قاسم عبدالعال وحاتم عبدالعال وزعل غسان عبدالعال، عقب محاصرة عدد من المنازل ومنع الأهالي من مغادرتها. وبعد تنفيذ عملية الاعتقال، انسحبت القوة الإسرائيلية بعد محاصرة منازلهم لساعات طويلة، في ظل رفع منسوب عمليات التفجير للقرى المحتلة.

لبنانيون الى الحرية

وقد أفرجت «إسرائيل» عن المختطف اللبناني مالك كمال غازي، الذي تم اعتقاله في تشرين الأول 2025. وقد سُلّم المفرج عنه إلى الصليب الأحمر عند معبر الناقورة، ثم إلى الجيش اللبناني. ونقل إلى مكتب مخابرات الجيش في ثكنة بنوا بركات في صور، ومنه الى المستشفى لإجراء الفحوصات الطبية. اما بقية المختطفين، وهم لبنانيان وسوريان علي شور وحسين عياش واسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي، فقد تم تاجيل الافراج عنهم الى اليوم الجمعة، علما أن أسماءهم لم تُدرَج ضمن اللائحة التي وزعتها هيئة الأسرى سابقا والتي تضم 36 لبنانيا، بينهم مدنيون ومزارعون وصيادون ومتطوعون ومقاتلون، تعود ملفات 3 منهم إلى ما قبل تشرين الاول 2024.

ضبابية في بيروت!

وفيما اوضح مكتب رئيس حكومة الاحتلال ان قرار الافراج عن اللبنانيين جاء بعد حدوث تقدم في عمليات البحث عن جثث إسرائيليين قتلوا في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وان العملية تتم مقابل تحديد مكان وإعادة جثث قادة المجتمع اليهودي في لبنان، بقي المشهد في لبنان ضبابيا، حيث لم تؤكد مصادر امنية ولم تنف حصول تعاون لبناني في البحث عن ذلك الرفات، لكنها اكدت انها جزء من عملية التفاوض التي حصلت في واشنطن واستكملت في روما، وليس معروفا اذا ما ترجم الامر عمليا على ارض الواقع، علما ان «اسرائيل» سبق وزودت الجانب اللبناني بخرائط تشير الى احتمال وجود هؤلاء في مقبرتين الاولى في منطقة راس النبع في بيروت والثانية في صيدا.

هذا ما طلبته واشنطن؟

ووفقا لمصادر مطلعة، فان الخطوة الاسرائيلية جاءت بعد طلب اميركي نقله السفير ميشال عيسى الى نتانياهو طالبه بضرورة تقديم خطوة ما على المسار اللبناني، لحاجات اميركية تتعلق بانعاش المسار المتعثر، في ظل عدم الاتفاق على تنفيذ النقاط الجوهرية في اتفاق الاطار، وقد قدم بيان الخارجية الاميركية الذي احتفى بالخطوة دون تحديد موعد جديد لجولة روما، دليلا على رمزية الخطوة في ظل الحاجة المتبادلة الاميركية- الاسرائيلية إلى تقديم انجاز حتى لو كان محدودا. وقد اكد مصدر رسمي لبناني ان موعد جولة المفاوضات اللبنانيةـ الاسرائيلية المقبلة لم يحدد زمانها ولا مكانها بعد.

ماذا اشترط نتانياهو؟

وفي هذا السياق، تشير تلك الاوساط، الى ان نتانياهو اشترط للموافقة على الخطوة عدم صدور اعلان ثلاثي مشترك مع لبنان والولايات المتحدة، واصر على تقديم الخطوة بانها قرار «اسرائيلي» احادي الجانب ولا علاقة له بالتفاوض، وانما بتلبية لبنان لشروطه حول البحث عن جثث يهودية لاشخاص قتلوا في الثمانينات، في خطوة تسويقية امام جمهوره عشية الانتخابات، وهو في هذه الخطوة يريد ابلاغ الاميركيين انها اقصى ما يمكن ان يقدمه راهنا على المسار اللبناني، «فلا تقتربوا من القضايا الجوهرية».

تفجيرات وعمليات هدم مستمرة

في هذا الوقت، بقي الجنوب تحت وطأة التفجيرات العنيفة والتوغلات الإسرائيلية، فيما الميدان مفتوح على تصعيد بحدود غير معروفة حتى الان، وحصلت تفجيرات عنيفة في بلدات حولا القنطرة وحداثا ووادي برعشيت وبني حيان. كما نفذت قوات الاحتلال تفجيرا ضخما في بلدة كفرتبنيت، وهو الأكبر من نوعه في البلدة، ما أحدث دويًا هائلا تردّد صداه في مختلف مناطق الجنوب. وأدى التفجير إلى تصاعد سحب كثيفة من الدخان شوهدت من مسافات بعيدة، وسط أجواء من التوتر والهلع بين المواطنين. وفي حين استهدف القصف المدفعي الاسرائيلي بلدة المنصوري، ألقت مسيّرة اسرائيلية قنبلتين صوتيتين على طريق العزية - المنصوري. تزامن ذلك، مع قيام آليات اسرائيلية بنقل غالونات مفخخة باتجاه البلدة، بالإضافة إلى توغل دبابة «ميركافا» وجرافة في بلدة المنصوري.

ماذا يحصل في «علي الطاهر»؟

اما التطور المستجد مساء امس، فكان زعم جيش الاحتلال، أنه استكمل، عملية تطهير البنية العسكرية تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، مشيرا إلى تحقيقه «السيطرة العملياتية» فوق الأرض وتحتها. ووفقا للمزاعم الإسرائيلية، عثر في المرتفعات على غرف عمليات ووسائل قتالية قال المتحدث العسكري إنها تابعة لحزب الله، مضيفاً أنه تم القضاء على عدد من المسلحين، فيما فرّ آخرون من المنطقة، وأشار إلى أنه سيعيد الانتشار في مرتفعات علي الطاهر وفقًا للتطورات والوضع الميداني. ولفت مسؤول عسكري في جيش الاحتلال «لم نجد في أنفاق علي الطاهر أي مستشارين أو ضباط إيرانيين، وهي أصبحت خالية من مقاتلي حزب الله، وتابع: حزب الله أنشأ البنية التحتية في علي الطاهر بتمويل وتخطيط من إيران.

تحذيرات ايرانية

وقبل الاعلان الاسرائيلي، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر امني تاكيده ان طهران ابلغت واشنطن عبر سلطنة عمان نهاية الشهر الماضي، بانها ستتدخل عسكريا اذا شنت «اسرائيل» هجوما عسكريا شاملا على تلال علي الطاهر. ووفقا لمصادر مطلعة، لا تاكيدات لدى السلطات الرسمية اللبنانية حول هذه التسريبات، كما يلتزم حزب الصمت حيال هذه المعلومات؟!

 

 

"الأنباء":

ليس أصعب على اللبنانيين من أن يبدأ نهارهم على وقع انفجار، وينتهي على وقع انفجار آخر، فيما تتحول قرى الجنوب، الواحدة تلو الأخرى، إلى خرائط من الركام، وتتحول ملكيات الناس وأرزاقهم وبيوتهم إلى هدف في مسلسل يبدو أنه يتجاوز العمليات العسكرية المباشرة إلى محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.


هذا هو المشهد الذي يفرض نفسه في الجنوب اليوم. توغّل إسرائيلي في حلتا واعتقال ثلاثة لبنانيين، وتفجيرات ضخمة في كفرتبنيت والمنصوري وبني حيان والقنطرة، إلى جانب عمليات عسكرية أخرى وتحليق مكثف للطيران الإسرائيلي. وقد تحدث جيش العدو الإسرائيلي عن استكمال ما سمّاه "السيطرة العملياتية" على مرتفعات علي الطاهر، مدعياً تطهير منشآت تحت الأرض فيها.

لكن المشكلة لم تعد في عدد التفجيرات أو نوع الأسلحة المستخدمة فحسب. المشكلة الأخطر أن استمرار التدمير بهذه الوتيرة يطرح سؤالاً يتجاوز الأمن والعسكر: ماذا يبقى من الجنوب إذا استمر تدمير المنازل والمنشآت والأراضي وفرض مناطق عازلة بالقوة؟

فالاحتلال لا يحتاج دائماً إلى إعلان ضم الأرض حتى يبدأ تغيير حقيقتها. يكفي أن يجعل العودة إليها مستحيلة، وأن يحوّل الاستثمار فيها إلى مخاطرة، وأن يدفع أصحابها إلى اليأس من إعادة البناء، حتى تصبح الأرض، عملياً، رهينة واقع أمني جديد.

ومن هنا، فإن الدفاع عن الجنوب ليس دفاعاً عن الحجر وحده، بل عن ملكية اللبنانيين لأرضهم وحقهم في العودة إليها وإعادة إعمارها واستثمارها. وهذه مسؤولية الدولة اللبنانية أولاً، والمجتمع الدولي ثانياً، وليست ورقة تفاوضية يمكن تأجيلها إلى حين نضوج تسوية إقليمية.

في هذا السياق يأتي ملف الأسرى، الذي كان يفترض أن يشكل خطوة إنسانية وسياسية في الاتجاه الصحيح. الإفراج عن الأسير اللبناني مالك كمال غازي وتسليمه إلى الصليب الأحمر ثم إلى الجيش اللبناني، ومن ثم إلى أهله خطوة لا يجوز التقليل من قيمتها.

لكن المشكلة في أن الصورة الكاملة لا تزال ملتبسة. فقد جرى الحديث عن إطلاق ثلاثة أسرى، فأُفرج عن واحد، فيما أُرجئ إطلاق الآخرين إلى اليوم الجمعة، في وقت واصلت القوات الإسرائيلية عمليات التوقيف داخل الأراضي اللبنانية، واعتقلت ثلاثة لبنانيين في حلتا. فكيف يمكن الحديث عن مسار لبناء الثقة بينما تستمر الاعتقالات والتوغلات في الوقت نفسه؟


والأكثر إثارة للقلق هو ما كُشف عن أن الإفراج عن الأسرى المدنيين يأتي في مقابل معلومات تتعلق بجثامين إسرائيليين مفقودين في لبنان منذ ثمانينيات القرن الماضي.

إذا صحت هذه المعادلة، فإنها لا تشبه تبادلاً متكافئاً للأسرى بقدر ما تشبه تسوية جزئية ذات ثمن سياسي ومعلوماتي. والأهم أن إسرائيل، بحسب المعطيات المتداولة، لم تقدم في المقابل معلومات مماثلة عن مصير الأسرى اللبنانيين الذين سلّم لبنان أسماءهم في مفاوضات روما الأخيرة. وكانت تلك المفاوضات قد شهدت بالفعل تبادل لوائح بأسماء أسرى لبنانيين، فيما تحدثت مصادر لبنانية عن لائحة تضم 36 شخصاً.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مسار إنساني، أم أمام خطوة أميركية محسوبة لامتصاص الغضب اللبناني وإعطاء الحكومة اللبنانية مكسباً محدوداً، فيما تبقى الملفات الكبرى، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي ووقف الانتهاكات، خارج إطار الحل؟

وإذا كانت هذه الخطوة تخدم أيضاً حاجة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى إنجاز انتخابي أو سياسي، فهذا لا يلغي قيمة الإفراج عن أي أسير لبناني، لكنه يجعل من الضروري ألا تتحول معاناة الأسرى إلى رشوة سياسية للبنان مقابل تنازلات غير معلنة.

وفي سياق متّصل أكّد عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب وائل أبو فاعور ضرورة إعادة النظر بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 الذي اتخذ في العام 2025، وجدّد الدعوة إلى استمرار قوات "اليونيفيل" بالقيام بمهامها في جنوب لبنان كمظلة أممية مدعومة بقرارات الشرعية الدولية وهو ما سبق وطالب به 86 نائباً يمثّلون أكثر من ثلثي أعضاء المجلس النيابي كما وطالب به لبنان الرسمي".

وأكد أبو فاعور في بيان أن "لا مصلحة للبنان في نقاش أي بديل عن قوات "اليونيفيل" في الجنوب، والاقتراحات الخطيرة الأخرى التي نسمع عن تداولها حول قوات دولية خارج مظلة الأمم المتحدة تضع لبنان خارج إطار الشرعية الدولية تنفيذاً لأجندات دولية تفرض علينا"، معتبراً أن "من المفيد التمعّن في مآل المسار المشابه الذي فرض على قطاع غزة وقاد إلى مزيد من القتل والاحتلال". 


وفي سوريا، لا تزال السويداء تواجه اختباراً بالغ الخطورة. فالتصريحات الأخيرة المرفوضة للشيخ حكمت الهجري حول العلاقة مع إسرائيل واعتبار الموحدين الدروز جزءاً منها، لم تمر من دون استمرار الردود الواسعة، لا سيما المواقف الرافضة التي صدرت من دروز الجولان المحتل، فضلاً عن مواقف سورية ودرزية أخرى أكدت رفض استخدام العقيدة لتبرير مشروع سياسي أو انفصالي.

وهنا لا بد من قول الأمور بوضوح: لا يجوز اختزال طائفة كاملة في موقف شخص أو مرجعية، ولا يجوز تحويل مأساة السويداء إلى بوابة لتقسيم سوريا. كما أن تجربة الجولان، الذي يعيش أهله تحت الاحتلال منذ عقود، تجعل أبناءه أكثر إدراكاً لطبيعة السياسة الإسرائيلية القائمة على توظيف الانقسامات والهويات في خدمة أهدافها.

أما إقليمياً، فإن مشهد التصعيد الأميركي ـ الإيراني يزداد خطورة، وخصوصاً حول مضيق هرمز. واشنطن تقول إن تدفق النفط عبر المضيق عاد تقريباً إلى مستوياته السابقة للحرب، وإن قدرة إيران على تهديد الملاحة تتراجع، بينما يواصل الطرفان تبادل الضربات والتهديدات. وقال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بوضوح إن واشنطن لن تعود إلى المحادثات ما دامت إيران تستهدف السفن التجارية، فيما أكد الرئيس دونالد ترامب امتلاك الولايات المتحدة مخزوناً ضخماً من الذخائر.

لكن المفارقة أن واشنطن تتحدث عن عودة الملاحة إلى طبيعتها، بينما تستمر المنطقة في دفع ثمن المواجهة. فالهجمات التي طالت الكويت والبحرين والأردن، والتهديدات المتبادلة، لا يمكن فصلها عن الخطر الأكبر: خروج الصراع من قواعد الاشتباك إلى حرب إقليمية مفتوحة.

ولبنان، في هذه اللحظة، يحتاج إلى شيء واحد أكثر من أي وقت مضى: أن لا يكون صندوق بريد لأحد، ولا ورقة تفاوض لأحد، ولا ساحة لتعويض إخفاقات الآخرين.

فالجنوب يحتاج إلى حماية الدولة وسيادتها، والأسرى يحتاجون إلى تحريرهم جميعاً لا إلى دفعات انتقائية، والسويداء تحتاج إلى حل يحفظ وحدة سوريا وكرامة أبنائها، والمنطقة تحتاج إلى العودة من حافة الحرب إلى لغة التفاوض.

أما أن يستمر القصف في الجنوب، والتفجير في القرى، واعتقال اللبنانيين، بينما يجري الحديث عن تفاهمات وصفقات في الغرف المغلقة، فذلك يعني ببساطة أن ثمن التسويات يدفعه أصحاب الأرض، فيما يجني الآخرون أرباح السياسة. وهذا ما يجب ألا يقبل به لبنان.

 

 

"نداء الوطن":

بعد الخيام وقلعة الشقيف وبنت جبيل، جاء الدور على «علي الطاهر». التلال التي طالما أُحيطت بهالة عسكرية استثنائية، والأنفاق التي قُدّمت باعتبارها جزءًا من منظومة الردع التي لا تُخترق، باتت اليوم في عهدة الجيش الإسرائيلي، الذي أعلن استكمال ما سمّاه «تطهير» البنى التحتية تحت الأرض التابعة لـ«حزب الله» في مرتفعات علي الطاهر، مع استمرار العمل على تحييد ما اكتُشف منها. مما يعني حكمًا، توسعت المنطقة الصفراء إلى تخوم النبطية.

هكذا، تتساقط واحدة تلو الأخرى أساطير القوة التي احتاجت سنوات من الخطابات والتهويل لتُبنى، وتحتاج اليوم إلى أيام فقط لتنهار. علي الطاهر ليست مجرد نكسة ميدانية لميليشيا «حزب الله». إنها صفعة مباشرة لسردية «الردع» التي طالما بشّر بها اللبنانيين، وخصوصًا أنها ليست موقعًا هامشيًا في حساباته العسكرية، بل موقعًا ارتبط أيضًا بحسابات الحرس الثوري الإيراني في الجنوب اللبناني.

ولعلّ سقوط علي الطاهر يضع «حزب الله» أمام السؤال الذي يحاول الهروب منه منذ سنوات: ماذا بقي من «المقاومة» حين يصبح سلاحها عاجزًا عن حماية مواقعها، وعندما يتحول السلاح الذي قيل إنه يحمي لبنان إلى ذريعة لاستمرار الحرب على لبنان؟

لقد بدأت الخسائر تتراكم: موقعًا بعد موقع، ونفقًا بعد نفق، ومعادلة بعد أخرى. لذلك، فإن الرسالة بعد علي الطاهر يجب ألا تكون إلى إسرائيل، بل إلى «حزب الله» نفسه: سلّم سلاحك للدولة قبل أن تسلّمه إسرائيل للركام.

وفي التفاصيل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 36 عملت خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، مشيرًا إلى أن القوات حققت سيطرة عملياتية على المنطقة فوق الأرض وتحتها. وجرى تطهير المنطقة من المخربين، مع الإشارة إلى مقتل عدد منهم وفرار آخرين من المنطقة. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته عثرت داخل البنى التحتية تحت الأرض على غرف عمليات، وغرف للوسائل القتالية، ومولدات كهرباء، وغرف للمكوث، إضافة إلى مرافق استحمام ومطبخ.

وكانت وكالة «رويترز» قد كشفت أن إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنها ستردّ بقوة على أي هجوم إسرائيلي على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، حيث يتحصّن عسكريون إيرانيون إلى جانب مقاتلي «حزب الله». هذا التحذير العبثي، الذي يظهر فداحة وهم النظام الإيراني، ويُعدّ بمثابة انتهاك جديد للسيادة اللبنانية، يستدعي تحرك الدولة اللبنانية دبلوماسيًا وقانونيًا، لمساءلة إيران عن أي وجود عسكري لها على الأراضي اللبنانية، وعن كل ما ترتّب على تدخلها من كوارث وويلات دفع اللبنانيون أثمانها.

إذًا، في يوم واحد، بدت المفارقة بأوضح صورها: «الحزب» يخسر تلاله الاستراتيجية في علي الطاهر، والدولة تنتصر بدبلوماسيتها، تفاوض فتُحرّر خمسة أسرى.

فمن الناقورة، عاد أمس مالك كمال غازي إلى الحرية، على أن يلحق به اليوم أربعة أسرى آخرون ( علي شور، حسين عياش، أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي)، نتيجة متابعة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الجانب الأميركي، وفي إطار المسار التفاوضي القائم في روما. وهنا تكمن الرسالة الأهم. فالإفراج عن الأسرى يشكّل أول ثمرة عملية لخيار الدولة في اعتماد القنوات الدبلوماسية، وتحديدًا المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية. وقد جاء هذا الإنجاز ليرد عمليًا على رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ردّد أكثر من مرة: «خلّي حدا يحط على عيني، بعد سبع جولات من التفاوض، ويفرّجيني إنجاز واحد». فجاءه الجواب هذه المرة من بوابة الناقورة.

خطوة إيجابية
وتعليقًا على إطلاق سراح الأسرى، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ«نداء الوطن»: «في عام 2006، تسبب «حزب الله» في دمار جنوب لبنان جراء محاولته اختطاف إسرائيليين واحتجاز رفاتهم لمبادلتهم بمعتقلين. واليوم، ونتيجة لوساطة قادتها واشنطن بين حكومتين شرعيتين، تقوم إسرائيل بإطلاق سراح معتقلين، بينما يساعد لبنان إسرائيل في استعادة رفات مفقودة ليهود لبنانيين». وقد وضع كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي اللمسات الأخيرة على عملية إطلاق سراح المعتقلين خلال زيارة عيسى إلى إسرائيل.

وأشاد المتحدث باسم الخارجية بحكومتي إسرائيل ولبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولية، وأمل أن تشكل هذه الخطوات أساسًا لمناقشات موسعة حول قضايا مدنية أخرى. وأضاف: «نحن نواصل تيسير الحوار بين إسرائيل ولبنان بشكل يومي، ونتطلع إلى الجولة القادمة من المحادثات في روما. كما نؤكد التزامنا بالتنفيذ الكامل للإطار الثلاثي».

وفيما تستمر التحضيرات لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، أكدت مصادر أميركية أن المحادثات السياسية ستجري في روما، فيما قد تُعقد المفاوضات العسكرية في مقر CENTCOM في فلوريدا. ولا تزال المناطق التجريبية تمثل عقبة، إلا أن المصادر أشارت إلى تعاون وثيق بين سفارتي لبنان في واشنطن وأميركا في بيروت، أفضى إلى فتح ثغرة أثمرت عن عملية الإفراج عن الأسرى.

توازيًا، اعتبرت مصادر دبلوماسية أميركية لـ«نداء الوطن» أن إطلاق إسرائيل سراح أسرى لبنانيين بادرة حسن نية تهدف إلى تعزيز لبنان سياسيًا، وإبقاء المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة قائمة. إذ تمنح هذه الخطوة بيروت ما يمكنها ترجمته محليًا بأن الدبلوماسية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة. غير أن هذه المصادر حذرت من أن يتعامل لبنان السياسي مع إطلاق سراح الأسرى كبديل عن العمل الجاد لفرض السيادة، لأن المعيار ليس عودة المعتقلين، بل نزع أسلحة «حزب الله» وأن يعود لبنان إلى سيطرة الدولة الكاملة.

وفي السياق، علمت «نداء الوطن» أنه، على الرغم من أن الأسرى الذين أطلقت إسرائيل سراحهم لم ترد أسماؤهم ضمن اللوائح التي سبق أن قدّمها لبنان، فإن الجانب اللبناني الرسمي ينظر إلى هذه الخطوة بإيجابية، ويرى أنه يمكن البناء عليها. وفي المقابل، أرسل لبنان صورًا لمدافن اليهود في بيروت وصيدا، ولا سيما أن تل أبيب تطالب برفات أشخاص كانوا يقيمون في لبنان في فترات سابقة ولم تكن لهم علاقة مباشرة بالحروب، وكان معظمهم مواطنين لبنانيين، الأمر الذي يصعّب عملية العثور على رفاتهم، إذ إنهم لم يكونوا أسرى حرب ولم يُقتلوا في المعارك.

وأوضح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن المفرج عنهم مدنيون ولا ينتمون إلى «منظمة إرهابية». وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «تم اتخاذ قرار بإطلاق سراح خمسة مواطنين لبنانيين تم اعتقالهم مقابل تحديد مكان وإعادة جثث قادة المجتمع اليهودي في لبنان».

وتعليقًا على تحرير الأسرى، أشار رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى أن «عودة أي لبناني محرر إلى وطنه سالمًا تشكّل خطوة مهمة على طريق معالجة هذا الملف». وتوجّه بالشكر إلى الإدارة الأميركية، ولا سيما السفير ميشال عيسى، على الجهود التي بُذلت في هذا المجال.

الرياشي في بعبدا
وفي النشاط الرئاسي، عرض الرئيس عون مع عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب ملحم الرياشي، موفدًا من رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، شؤونًا سياسية ووطنية وإدارية، إضافة إلى العلاقة بين «القوات اللبنانية» ورئاسة الجمهورية.

وأكد الرئيس عون، خلال استقباله وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندي Sjoerd Sjoerdsma، وفي معرض الحديث عن دور «اليونيفيل»، تمسّك لبنان ببقاء القوات الدولية في الجنوب، مشيرًا إلى أنه «إذا تعذّر التمديد لها، فإن لبنان يرحّب بأي دولة شقيقة أو صديقة ترغب في استكمال المهام التي تقوم بها اليونيفيل». والتقى الوزير الهولندي والوفد المرافق رئيس الحكومة نواف سلام، وتناول البحث مسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار في الجنوب.

كذلك، ترأس سلام جلسة لمجلس الوزراء في السراي، وأشار في مستهلها إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد جلسات متتالية لعرض مشروع الموازنة ومناقشته. كما أكد أن ملف تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية سيُعرض على مجلس الوزراء في جلسته الخميس المقبل، وفق ما سبق أن التزم به.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الصحف اللبنانية